البعث من السلطة الى الظل

عبدالرحمن مطر

هذه هي المرة الأولى التي يحيي فيها البعث ، ذكرى تأسيسه ، وهو قاب قوسين أو أدنى ، من فقدانه السلطة التي سعى اليها منذ 1943 ، ليتوج نفسه ملكاً على شعب أفقده الحزب ، الكثير من حيويته الحضارية ، حين عمل على تدجين الشعب السوري ، وربط كل شيئ في

ها بالبعث فكرة ومنهجاً . لكنه على رغم النصف قرن التي قضاها في الحكم،لم يستطع أن يحقق واحداً من أهدافه الثلاث الكبرى : الوحدة والحرية والاشتراكية . وهاهو اليوم ، بسبب سياساته الإجتماعية والإقتصادية والإقصائية ، يجد نفسه ملفوظاً من الدستور الجديد ، ومن المجتمع، غارقاً في الدم الذي أفرزته أزمة الحزب القائد للدولة ، في سوريا منذ عام.
البعث وهو يتجة الى عقد مؤتمر قطري ، قد يكون الأخيركحزب حاكم ، بعدما آل اليه بعث العراق ، يبدو أنه لم يقرأ الأزمة الراهنة ، بما يقود للمحافظة على وجودٍ طبيعي له في الحياة السياسية السورية . وأن يكون استمراره رهناً بصناديق الاقتراع ، والى أن يتحقق ذلك في سوريا الجديدة ، على البعث أن يحاسب نفسه على أخطائه ، قبل أن يحاسبه المجتمع السوري على حقبة اتسمت بالمرارات الوطنية الدامية ، كان هو طرفاً أساسياً فيها بوصفه حزباً وحاكماً منذ 1963. هل يتذكر البعث في 1966، والثمانينيات ، واليوم؟
لقد وضع البعث جملة أهداف مرحلية ، لبناء المجتمع والدولة ، ولاشك ثمة إنجازات لا يمكن نكرانها . كذلك أيضاً لا يمكن أن تكون حصراً إنجازاً بعثياً . إن أي حزب يحكم سوريا ، لابد له ان ينجز مشروعات تنمية وطنية . مثلما أن الفكرة القومية ليست رهناً بالبعث الحاكم، وليس الصراع مع اسرائيل هو جزء من المشروع البعثي ، بقدر ماهو حالة وطنية وقومية.
لم يتمكن البعث من تحقيق أي شكل من أشكال الوحدة ، أو يستعيد أي من الأجزاء السليبة : الجولان ، ولواء الإسكندرون.كما ان القمع، وانتهاكات حقوق الانسان ، تعاظمت . فيما ازدهرت حكايا السجون المرة في عهد البعث ، وحجبت عن المجتمع كثيراً من حقوقه وحرياته الأساسية . وصار للديمقراطية معنى واحداً للخنوع هو الديمقراطية المركزية . وفيما يتصل بالنهج الاشتراكي فإن البعث قد ابتعد كثيراً عن محددات العدالة الاجتماعية ، منذ سنوات طوال ، وكانت تلك واحدة من سمات الحكم منذ الحركة التصحيحية ، وصولاً الى اقتصاد السوق الإجتماعي ، الذي يعد واحداّ من مكونات الأزمة الدامية الراهنة.
مالاشك فيه أن عجز البعث عن تطوير فلسفته ومنهجه ، بعد سبعين عاماً على نشوئه ، يعكس خللاً في بنيته الفكرية والتنظيمية ، في ظل التحولات والمتغيرات الدولية ، وانعكاساتها الكبرى المتمثلة بتراجع اليسار ، وصعود اليمين المتطرف ، والعولمة . اضافة الى فشله في تطبيق مقررات مؤتمرات البعث خاصة فيما يتصل بـ ” التحديث والتطوير ” منذ تولي بشار الأسد الرئاسة قبل اثني عشر عاماً . مثلما يسجل اليوم إخفاقه في إدارة الأزمة ، والإنتقال بالبلاد الى مرحلة جديدة آمنة . ويتوجب عليه اليوم أن يتهيأ للخروج طواعية من السلطة والتسليم بحتمية وضرورة التداول السلمي لها ، بعد أن ازدانت صفوفه بالإنتهازيين والفاسدين والمستغلين والمتاجرين به ، وبالوطن والمواطن ومقدراته ، وهم ممن مسببي الأزمة الوطنية . وعلى رغم ذلك لايزال البعث يعيش عقلية التمسك بتلابيب السلطة ، العقلية التي قادت الى مانحن فيه ، وعليه الحذر من الأيلولة الى مصير مشابه لمصير بعث العراق . وأن يعمل على اعادة بناء دوره ومكانته بعيداً عن السلطة ، فقد أنهك نفسه ، واستنزف قدراته ، وكوادره ، بصورة شكلت عبئاً ثقيلاً عليه . وأن يهيء نفسه للإنخراط في الحياة السياسية ، في ظل نظام سياسي جديد قائم على تعددية حقيقية ، وتداول فعلي للسلطة ، تفرزه صناديق الإقتراع ، بعيداً عن الوصايات والتدخلات الحزبية والأمنية . فهل يعتبر البعث من الدروس ، ويقتنص الفرصة المتاحة أمامه ، وينحاز كلياً إلى التغيير؟ لكن ألم يسأل البعث نفسه ، عما إذا كان حاكماً حقاً..أم انه واجهة لمن يحكم سوريا بإسمه ؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ كاتب سوري
al.matar60@hotmail.com
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s