سوريا من الداخل : رهاب المجتمع بين الدم والانقسام

عبدالرحمن مطر
الدم السوري بات اليوم،مسفوحاً على الطريق.وترتفع على البوابات والدبابات،عبارة:” الأسد أو لا أحد “.فيما البلد يضيع فرق عملة في دورة العنف التي تستعر،بين النظام والمعارضة.بين القوى الأمنية،وقوى الثورة التي انقسمت اليوم فوق اختلافها،في صرا

عات لن تقود إلا الى حالة العجز،عن دفع قوى الثورة،لإنجازٍما،فيما يتحقق على الأرض – هنا في الداخل السوري – مزيدٌ من الدم،مزيدٌ من الضحايا،ومزيدٌ من ملاحقات الأمن للقوى السلمية،والجماعات المتمردة،التي حملت السلاح،في مواجهة الآلة العسكرية التي تسعى “لفرض” الأمن وعودة الاستقرار، الى ما كانت عليه البلاد قبل 15آذار2011 ،بأي ثمن.
وفي الوقت الذي فشل فيه النظام،عن وقف مدّ الانتفاضة وتصاعدها،فإن قوى المعارضة لم تستطع انجاز تطور يفتح الطريق امام تحقيق التغيير،خلال عشرة أشهر مضت،وحتى اليوم.لكن الأهمية تكمن في أن سوريا لن تعود الى ماقبل الاحتجاجات المطلبية ، التي تطورت الى انتفاضة شاملةعلى النظام.لقد حدث تغير جذري في الشارع السوري – ربما هو الأهم منذ الاستقلال-الذي تعززت مقدرته في الوعي، والمعرفة،والإرادة،رغم التحديات التي تحاول إجهاض الحلم .حتما ،سوريا اليوم مختلفة،وغداً مغايرة.
لكن ثمة مسألة أخرى: “حضارية” الشعب والدولة،تبدو لي وقد أضحت محل تقييم!فما نشاهده ونعايشه اليوم من اتكاء الي السلاح،بصورة مرعبة،كلٌ يغامر لفرض رؤيته بالقوة والاقتتال.والشارع السوري ضائعٌ وحائرٌ..نعم ” عرف الشعب طريقه ” لكنه إزاء ما يعانيه،أصبح يوم الجمعة،حالة رهاب للناس.لقد أضاع المصلون قبلتهم،ولم تعد ثمة بوصلة واضحة،أو هكذا يتراءى لي الغد.وبقدر ما يمثل يوم الجمعة نقلة اسبوعية للثورة،دفع النظام مؤيديه لما سمي بـ “استعادة الجمعة”.لكن التفجيرات-التي تعيدنا لأزمة الثمانينات ومجازرها المرعبة-التي شهدتها دمشق على مدى اسبوعين،قد تغير من موازين القوى على الأرض كثيراً،إذا ما تلاحقت.والانتفاضة لاشك ،هي من سيتأثر،ولن يعجّل ذلك من سقوط النظام أو تغييره.
أياً يكن الفاعل،فإنها جريمة نكراء،بحق السوريين جميعاً،ومرفوض قطعاً أن تُستخدم كوسيلة في إدارة الصراع،من قبل أي طرفٍ كان،في مواجهة الآخر.وهذا لن يقود إلا لمزيد من الضحايا،وتعميق الجراح،وتوسيع الشقاق.وتباعد إمكانية الوصول الى ضفة الخلاص.إن لجوء قوى مسلحة الى مثل هذا الأسلوب،لن يفيد في دفع الانتفاضة قدما لتحقيق غاية اندلاعها،عبر التضييق على النظام،بل إنه سيدفع به لاستنزاف الصبر، فيمضي باتجاه مزيد من التضييق الأمني والإفراط أكثر في استخدام وسائل القوة ضد الجميع.وفي الوقت نفسه،إذا كان النظام السياسي والأمني ،غير قادر على حماية منشآت الدولة ومؤسساتها من الاستهداف،فكيف إذن،مع توالي اطراد الأزمة وتصاعد العنف،سوف يتمكن من حماية المواطن والوطن !
تلك أكثر من أسئلة مشروعة،حملها المواطن السوري،دون أن يجد لها أجوبة شافية،منذ أحداث درعا، وانكشاف الغطاء الأمني والسياسي عن مخالفات ممنهجة ارتكبتها المؤسسات الأمنية.يضاف اليها إغماضة العين عن أمن الوطن،لسنوات طوال ،كان شغلها الشاعل قهر المواطن وقمعه، فيما يتدفق السلاح الى البلاد.ومايحدث اليوم من تفجيرات دامية،مع إدانة الفاعل،تبقى هي مسؤولية الدولة،وأجهزتها الأمنية العاجزة عن حماية المواطن،رغم مرور عشرة أشهر على أزمة تجذرت في الحياة السورية.
لم يعد أحدٌ هنا في سوريا -إذن- بعيدٌ عن الاستهداف:القتل ، أو الاعتقال.واذا كان المطلوب من السوريين هو التوقف عن مواصلة الثورة،فإن ذلك لن يتحقق إلا بحدوث تغيير شامل،في المجتمع والدولة،المجتمع المركب المعقد،الذي نكتشف أنه لم يعد”الأكثر”تماسكاً بفضل الإنقسامات الحادة،حتى على مستوى العائلة الواحدة،وأننا ذاهبون الى فوضى العنف المتبادل،أنا هنا لا أبشر بل أحذر.ومؤسف أن أحداً لايريد التقدم خطوة باتجاه الحل،ولاأحد يعترف بالآخر، حتى داخل المعارضة،خاصة وأن مهمة المراقبين العرب،تبدو سراباً في ليلٍ قائظٍ،فيما التدويل يدقّ أبوابَ دمشق.
في حين أن أطراف الصراع في الداخل،تسير كما يبدوباتجاه دورة جديدة من العنف المتبادل،والقمع.فيما تواصل أطياف المعارضة في الخارج صراعاتها المركبة فيما بينها،دون أن نعي نحن– هنا في الداخل السوري- حقائق تنازعهم،وفي مقدمها التنازع على تمثيل قوى الثورة الأساسية،لنواجه مصيرنا المرّ: القتل..أو الإعتقال.
كاتب سوري
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s