على أعتاب برلمان جديد : اتجاهات وملامح في الدستور السوري الجديد

 
عبدالرحمن مطر
اليوم،ومع اقتراب الانتخابات النيابية ،وانقضاء اكثر من عام على تفجر الانتفاضة السورية،ودخول الدستور الجديد،حيز التطبيق،ينبغي التوقف ملياً إزاء ما يقوم به النظام

السوري من خطى بالتوازي مع الحل الامني ،وخاصة فيما يتصل بالدستور الذي أثار طرحه ومن ثم إقراره سؤالاً ، عما إذا كان الأمر التفافاً منه على تطورات الأزمة الدامية ، في ظل محاولاته الحثيثة لإخضاع مجتمعات الإنتفاضة السورية،بقوة العنف المفرط، واالحسم الأمني والعسكري الذي فشل في انجازه حتى اليوم،على رغم التطورات المأساوية ، لتأتي انتخابات مجلس الشعب كثمرة اولى للدستور، بمثابة انجاز يضاف الى سلسلة الاصلاحات المتوالية ، التي لم يستطع النظام استعادة المبادرة بها في الداخل ، او اقناع المجتمع الدولي بجدية خطواتها لإنهاء الأزمة السورية ، عبر المسار السياسي الذي يئن على وقع السحق الأمني والعسكري في العديد من المدن والبلدات والقرى. في حين أن الغرائبية التراجيدية التي طرح فيها مشروع الدستور، مرفقاً بمرسوم رئاسي وتعليمات تنفيذية ، تشي بنية النظام على ان هذا الستور طرح كما هو ليؤخذ به ، ولا سبيل لغير ذلك. وفي الواقع هذا ماحدث،فلم يطرح للنقاش مع الجمهور،كما في القوانين السابقة،ما يدلل على نفاذ الصبر،والاستعجال المربك خشية مزيد من الانفلات والانهيار.
النظام السوري تمّ له اقرار الدستور،رغم كل النقائص التي اظهرتها الاعتراضات ،والانتقادات الحادة من قبل شرائح سورية مختلفة،اكثرها أهمية هي تلك الأطراف التي تقف على مسافة من النظام والمعارضة ، أو قريبة الى أحديهما،تتبنى رفض مشروع الدستور،باعتباره لايمثل حقيقة تطلع غالبية السوريين ، في بناء دولة مدنية جديدة.
الاشكالية الاساسية التي أثارها في التوقيت،ما اذا اتيح لجميع المواطنين الادلاء باصواتهم،في ظل العمليات العسكرية والامنية المتواصلة ،بلا هوادة.بمعنى كيف يمكن اقرار وطني ،في ظل عدم امكانية مشاركة نصف اوثلث المواطنين السوريين فيه؟ لنلاحظ معا واقع حمص وحماة ودرعا وادلب وريف دمشق،يضاف الى ذلك افراد وجماعات وقوى معارضة ومستقلة،منتشرة بكثافة على امتداد التجمعات البشرية والسياسية ،ترفض المشروع الجديد،او تقاطع الاستفتاء عليه..فماهي تطلعات النظام في ظل فرض دستور، أقصي الجمهور السوري عن المشاركة في صياغة بنوده؟
الاشكالية الثانية تتمثل في المقدمة التى تشير المادة(155)الى انها جزء لايتجزا من الدستور، فهي ليست اكثر من خطاب سياسي، تتدنى قيمته ،في ظل اغفال هوية الدولة السياسية التي يريد لها الدستور ان تقوم في ظله. ليس ثمة ما يشير الى تداول السلطة،وتطلع المجتمع المتعدد المتنوع لبناء دولة ديموقراطية مدنية،فهي تشير الى الهوية العربية القومية،بشكل يعيدنا الى اكثر من نصف قرن مضى، وكأن لا علاقة لنا بالتحولات والتطورات الفكرية والسياسية والاجتماعية،التي يحفل بها التاريخ الانساني المعاصر.
مالاشك فيه أن اقرار دستور في مثل الظروف القائمة ، سيكون مرتهنا بثلاثة عوامل:الداخل،حيث يقدم النظام تنازلات للتيارات السياسية والاجتماعية المناوئة والموالية ،كالاسلاميين،والعشائر والقبائل والتجار،ورجال الدين ،كلٌ بما يجد لمصالحه موقعاً يلحظه او يوحي به الدستور.اما العامل الثاني فهو الخارج الذي يجهد النظام لاقناعه بأنه يخطوا باتجاه اشراك الجماعات المختلفة في السلطة،وأن حالة ديمقراطية جديدة تتأسس في البلاد،فيما يبقى النظام حائرا أمام العامل الثالث،الذي يتمثل بالنظام نفسه،من داخله،حيث يعاني من الشدّ والجذب بين تنازع التيارات الامنية والسياسية،التي تعيق أي حلّ سياسي للأزمة،بما فيها الدستور الجديد. وهنا نلحظ اعتراض الموالاة بشكل رئيس على المادة(88)التي تحدد الولاية الرئاسية-على سبيل المثال-فيما تواصل الدفع باتجاه الحسم الأمني،وعسكرة الدولة والمجتمع.
ثمة مايقارب (25)مادة،تعرضت للانتقاد والاعتراض.ونعتقد أن في ذلك مدعاة اكثر من ضرورية،لإعادة النظر فيه ، وعدم إقراره بهذه الإشكاليات،واكثر جدوى من أن يحمل في طياته،حاجة التعديل فيه بعد18 شهرا،كما تشير الى ذلك المادة(153) منه،والتي تشكل ضمانة استمرار النظام السياسي القائم في السلطة،اذا ما جاءت انتخابات مجلس الشعب القادمة،مخيبة لآمال النظام السوري،ومقلقة له،مع ان وقائع ومجريات التحضير لانتخابات مجلس الشعب، تقود الن البرلمان القادم ، قد يكون هو الأسوء مما سبقه خلال السنوات الممتدة منذ أزمة الثمانينيات ، وحتى اليوم.
الحقوق والحريات
إن تكريس الحقوق والحريات”الفقرة الأخيرة من المقدمة” وسيادة القانون واستقلال القضاء،لم يمنع مواد اخرى في الدستور، أن تشكل انتقاصا للحقوق والحريات،والمادة الثالثة ليست استثناء،ولم يلحظ الدستور أن شرط المواطنة والمساواة التامة وتكافؤ الفرص، بين السوريين،دون تمييز بسبب الدين،كافٍ للترشح لرئاسة الجمهورية،أو أن يكون من حق الغير مسلم ، تبوء هذا المنصب.وكل ما جاء في المادة الثالثة،يتعارض في الأصل مع تطلع السورين نحو بناء مجتمع مدني ديمقراطي.
ويؤخذ على المادة الثامنة،أنها لا تشير بوضوح الى مسألة تداول السلطة،رغم اشارتها الى التعددية السياسية،فيما تحرم المادة الرابعة ” المهنيين ” من حقهم في مباشرة أي نشاط سياسي (حزب أو تجمع).واذا كان الدستور – شأن الدساتير في العالم- يضمن الحقوق في التعبير،والاجتماع،وتكوين الجمعيات،والتظاهر،والاضراب،فهو يشترط ممارسة تلك الحقوق،بقوانين ناظمة رقابية لها،فإنه يغفل الحريات السياسية كمنظومة قيم عامة وأساسية،يضاف الى ذلك أن حق ممارسة الشعائر الدينية للطوائف مشروطٌ بعدم تعارضه مع القانون!إذن هي حقوق منقوصة ، ما ينسف فكرة الحرية من أساسها،ويجعل من النظام السياسي رقيباً مقيتا على ممارسةً تلك الحريات. وهذا واحدٌ من أسس النزاع الوطني القائم بين المواطن والسلطة.
رئاسة الجمهورية
يضع الدستور عراقيل كثيرة أمام الترشح لرئاسة الجمهورية،وهي تصب في خدمة الرئيس الحالي،أما الشروط فهي لحرمان المعارضين المقيمين في الخارج من هذا الحق ! لنلاحظ أن الفقرة 5 من المادة84 تشترط الإقامة المتصلة للسنوات العشرة الأخيرة،دون انقطاع.وكذلك محتوى الفقرة 3 من المادة 85 .فيما يحرم من يحمل جنسية إضافية،حق تولي أي منصب رفيع في الدولة،وفقاً للمادة 152 منه !
وإضافة لمزيد من تركيز الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية،وهو مايتعارض مع فكرة توسيع قاعدة المشاركة الشعبية ، وتوزيع الصلاحيات والاختصاصات التي تعزز البنية الديمقراطية للمجتمع السوري،فإن الدستور يمنح كثيرا من الحقوق للرئيس ،والتي يمكن أن تشكل ارتكاسة في أية عملية سياسية،كالحق في حلّ مجلس الشعب،الذي يجب ألا يكون مرتهناً برئيس الجمهورية ، بل المحكمة الدستورية،على سبيل المثال.
ان جلّ المواد المتصلة برئيس الجمهورية،تمثل اشكالية مقلقة،لجهة تكريس الدستور لخدمة النظام السياسي القائم اليوم،الذي لا يزال متمسكاً -مع مرور عام على الأزمة-برؤيته ذاتها ،التي لاتعكس أي تغيّر في تفكير النظام ، بالتحول نحو ممارسة فعّالة تقود الى تداول حقيقي للسلطة،وبطبيعة الحال الخروج من الأزمة.فالمادة 155 تقرّ استمرار الرئيس الحالي حتى انتهاء ولايته(2014)وتمنحه الحق في الترشح مجدداً.فيما تحصنه المادة 117 من المساءلة عن أية أخطاء، قد يرتكبها اثناء أدائه الرئاسي.وهذا في اعتقادنا استهتار بالقانون وبالمواطن،وتكريس لمبدأ عدم المحاسبة ،وأن رئيس الجمهورية فوق القانون،الأمر الذي ينبغي التوقف عنده جدياً لتأكيد مسؤولية الرئيس عن كافة أفعاله وقراراته،وأن يخضع للمراقبة والمحاسبة، أمام كل من مجلس الشعب ،والمحكمة الدستورية.أما المادة132فتجعل من رئيس الجمهورية،الضامن لاستقلال القضاء،في الوقت الذي يجب أن يكون فيه الدستور وجملة القوانين الوطنية الناظمة لعمل هذا القطاع،هي الضامن الحقيقي لاستقلال سلطة القضاء في سورية.
الدستور الجديد،لن يشكل في حقيقة الأمر،في صورته هذه،تعبيراً عن الطموح الوطني للإرتقاء بالعملية السياسية.وفي الواقع،إن جلّ المواد لاتقود الى تغيير جوهري في المستقبل السوري المنظور،والإسراع به اليوم على هذه الشاكلة،هو خطأ سيترك أثراً عميقاً في الأزمة السورية،التي تدخل فصلاً أمنياً وعسكرياً في الداخل..على الأرض،ومرحلة جديدة من الضغط الدولي، في ظل استمرار العنف وازدياد ضحاياه.
إن الدستور الجديد- ونحن نجتاز عتبة عام جديد من الثورة السورية- مخيّب للآمال ويجهض حق السوريين في الإنتقال الى نظام سياسي برلماني،في ظل مجتمع مدني ديموقراطى متعدد ومتنوع . واذا كان النظام عاجزاً عن الخروج فيه من عنق الزجاجة ، فإن قوى المعارضة أيضاًلاتزال أطيافاً متناثرة لايرقى أداؤها الى مستوى فرادة الانتفاضة وتميزها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-كاتب سوري
almatar60@gmail.com
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s