علي فهمي خشيم : ألقٌ يعطّرُ وردةَ الغيابْ

.. !
عبدالرحمن مطر
أزعم أنني عرفته..وطوال أكثر من عشرين عاما , لم ينقطع أحدنا عن الآخر. رغم كل الظروف التي حالت بيننا لأسباب ما , لكنه هو , ظًلَ الذي يعطر وردة الحضور, ويهطل غيمة التوادّ , في وادٍ من الحياة , مرٍّ غير ذي زرع , مؤكدا انحيازه الانساني للثقافة ولكل ما هو ثقافي القيمة والمسلك , فلم تثنه المعارك , أو المشادات الثقافية

التي تعرض لها أو خاضها , عن التميز بعطاء ابداعي لاحدود مكانية أو ثقافية أو معرفية . فكان مفكرا فيلسوفا , روائيا وشاعرا , مترجما ومحققا , لغويا ومسرحيا وصحفيا . وحيثما خط قلمه حرفا , ترك بصمته التي ستظل علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية .
الدكتور علي فهمي خشيم , غادرنا أخيراً.. بعد أن أقلق المرض العضال , قهره ! المرض الذي أنهكه خلال السنوات الأخيرة جسدياً . لكنه لم يستطع أن ينل منه ابداعياً , فظل ينتج علما ومعرفة , ويذود عن اللغة والثقافة العربية , حتى آخر نفس لفظه في التاسع من حزيران , في مشفى ألماني , بعيدا عن وطنه , وفي ظل ظروف مشبعة بالأسى والمرارة والدم .. تعيشها بلاده . فيما أزدرد مرارة رحيله دون أن يُقيّضَ لي أن أنحني امام قامته , عرفانا بمواقفه ومودته.. أوأحظى بوداع أخير..
كثيرا ماكان يمدّ لي بابتسامته العذبة , جرعة الأمل نحو مستقبل أفضل . كان مؤمنا بذلك , رغم كل الاحباطات التي عاشها , والمثبطات التي ائتلفت حوله , للنيل من مشروعه الثقافي , الذي وقف علمه وأدبه وفكره من أجله , ومن ضمنه تأكيد عروبة اللغات المحلية – القديمة المتداولة في شمال أفريقية , من المغرب الأقصى حتى مصر . وبالتالي تأكيد عروبة شعوب المنطقة . فكرّس حياته في السنوات الخمس والعشرين الماضية , من أجل البحث والدراسة والتمحيص فيه . متجاوزا – بفضل اصراره ودأبه – ما تعرض له من نقد جارح غير موضوعي , بهدف الاقلال من أهمية نتائج بحوثه العلمية , خاصة فيما يتصل باللغويات . اذ يذهب بعض الباحثين الى اعتبار د.خشيم , منحازا الى ايديولوجية دفينة في ضلوعه , توجه تفكيره , بالاشارة الى انتمائه القومي العربي , الذي جُبل عليه منذ سنواته الجامعية الأولى .
ويرون أن خشيم , كان يضع الفرضية كنتيجة يسعى مسبقا , لاثباتها عبر بحثه العلمي . والواقع ان هذا ليس عيبا , هو أسلوب ومنهج , لم ينكره د.خشيم , مشيراً الى أن ذلك لايضير البحث العلمي في شيء , ولا ينقص من قيمته البتة . جرى ذلك في محاولات الردّ على مقولات وأفكار د.خشيم فيما يتصل بعروبة اللغة الأمازيغية , بشكل خاص . حيث واجه انتقادات حادّة وشديدة , ومتواصلة . لكن الأطراف الأخرى , لم تستطع أن تدحض بالبرهان العلمي , ما تمكن خشيم من اثباته عبر دراساته وبحوثه , التي صارت كتباً مهمة , مرجعية في تخصصها , فيما بعد .
تعرض موقف د.خشيم من الشعر الحديث , الى تجن كبير , دون ادراك , أنه كان متذوقا وقارئا مميزا للشعر الحديث . لقد أعلن غير مرة , أنه لايرقى الى مستوى الشعر . بمعنى أن التجارب الشابة ( مطلع التسعينات ) وخاصة في ليبيا , هي تجارب ضعيفة , لغة وبنية . وأن تحررها من العروض , واتسامها بالغموض , لايعني البتة أنها ” حداثة ” !
لكنه – في الوقت نفسه – أفسح المجال واسعا أمام تلك التجارب , لتقديم نفسها , خلال ترؤسه الرابطة العامة للأدباء والكتاب في ليبيا , فكانت مطبوعاتها ” الفصول الأربعة – لا – المشهد ” مفتوحة أمام تلك التجارب , فيما شارك المبدعون الليبيون بفاعلية في مختلف أنشطة الرابطة ابان ادارته لها .
ثمة جوانب شخصية في حياة الدكتور خشيم , لم تكن منفصلة عن انشغاله بالشأن الثقافي والسياسي العام . بل انه كمثقف , أدى أدواراً هامة , كان لها التأثير في محيطه الاجتماعي , والثقافي , والسياسي , عبر مختلف المواقع الي شغلها . كأستاذ جامعي لفلسفة الحضارات , أومركز اللغات , أوسفيرا لدى اليونيسكو. أسس وأدارعديد المنابر الاعلامية ذات الطابع الثقافي , وكرس حياته لخدمة اللغة العربية , عبر دراساته وبحوثه التي قدمها في مشارق الأرض ومغاربها , متوجا ذلك بتأسيس مجمع اللغة العربية بطرابلس , الذي ترأسه حتى وفاته .
كان د. خشيم كثير الحساسية لمسألة التجاذبات ” المشرقية – المغاربية ” في الثقافة العربية , رافضاً بشكل قطعي هذا التقسيم . لكنه في الوقت عينه , يعتب على المشارقة تجاهلهم للحراك الثقافي المغاربي , الممتد من ليبيا الى المغرب . مؤ كدا ان لاخصوصية له الا في اطار الثقافة العربية .وخلال رئاسته لمجلة ” لا ” الناقدة للمجتمع والدولة في ليبيا (أغلقت) نشر خشيم كثيرا من المقالات الهامة , التي تضمنها مواقفه الصريحة , تجاه قضايا أساسية . وكان مدافعاً عن الحق العربي , وقيم الحرية , والسلام , وحقوق الانسان .
في كتابه المميز ” هذا ماحدث ” – وهو بعضُ سيرة ذاتية – قدّم نفسه للقارئ العربي , انساناً آمن بالمعرفة , فحمل أحلامه وآماله الى شواطئ التحقق . فأنجز وقدم للثقافة العربية والانسانية , ما نفخر به ونعتز . ترك لنا اثنين وأربعين مؤلفاً , وعشرات الدراسات والبحوث , وأفكاراً كثيرة , قد حثّ الخطى لانجازها . كان عجولا ” قلاّقاّ “.. أو: “على عجل كأن الريح تحته ..” فسبقه موته !
غادرنا الدكتور علي فهمي خشيم , لتبقى قيمته الانسانية والعلمية , باقية في قلوبنا , ووجداننا , وسيبقى في متن الثقافة العربية , واحداً من أميز أعلامها المعاصرين .
كاتب سوري
Almatar60@gmail.com

أعج

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s