حكايات سورية / 2

عبدالرحمن مطر

أمهات في الثورة

لم يغمض لي جفن طوال الشهور الأولى للثورة،مزيج من الخوف والقلق والفرح،لا أعرف كيف أصفه الآن،وقد تجاوزت الثورة الثمانية عشر شهراً.أنظر الى تلك الأيام، بهناءة ورضى.كان زوجي المحامي ومنذ سنوات العشق والدراسة،ناشطاً  – ولايزال –  في مواجهة الاستبداد،ثم تطور نشاطه للدفاع عن الحقوق والحريات،وصولاً الى انتفاضة الكرامة.على الدوام،كنتُ أعيش القلق والهلع،مع كل مساءٍ يلقي باشرعته علينا..ومع كل رحلة كان يقوم بها الى حلب ،دمشق،للدفاع عن المعتقلين ، أينما كانوا.يبحث عنهم،يسعى خلف أي خبر أو معلومة تقوده إليهم..كواجب نضالي.

تقول المدرّسة السورية ملك . تسرد لي بما يشبه الهمس ، وعينيها تحوطان زوجها وطفلتها.ترتجف يدها بكأس الشاي،وهي تبوح أن الخوف بنى أعشاشه في الضلوع..أكثر وأشد،بعد أن كبر الاولاد ، ومن ثمّ انخرطوا في صفوف الانتفاضة السورية الكبرى . لكن الخوف لم يتمكن من وهنها،اضعاف عزيمتها وهمتها ..لم ينل من ايمانها بدورها كزوجة وأم في فضاء الثورة .بل أن غبطة غمرتها وهي ترقبهم يعدون .. ويدعون..للتظاهر واختيار الشعارات وتحديد المطالب ، ورسم وكتابة اليافطات . بيتها خلية عمل ثوري ،تتابع خروجهم وعودتهم. ” صرتُ أحرضهم على مزيد من العمل للانخراط في الثورة ، وخصصت وقتي كله لتلبية احتياجاتهم،وتأمين مستلزماتهم ورفاقهم ، ولم أبخل بالمشورة .. بيتنا الصغير ، صار بحجم الوطن ، وهو يُشرعُ أبوابه ونوافذه ،كقلوب السوريين جميعاً ، لاستقبال ابناء الثورة..حتى اليوم ” .

حللتُ ضيفا لدى هذه الأسرة ، وما أكتبه ليس لرد الجميل .. لكنها حكاية أسرة سورية ، حكاية أمّ في الثورة ، من كوباني/عين العرب.عانت من تضييق النظام السوري وملاحقاته لهم ، وتشديد أساليبه في القمع والقهر. كانت ترى بأم عينها بطش النظام الأمني بالنشطاء : ” عاد الخوف من جديد ، ونحن نتنقل من بيت الى أخر،ومخبأ لآخر : أنا وزوجي وابنائي الأربعة . ننام فوق تلّة تكثر فيها أشجار الفستق والرمان ، ثم فجأة نهرول للإختباء في سهول الزيتون ، حين نحسّ بملاحقة النظام لنا..” .

طوال مايقرب من عام ، كانت ملك تحضر الطعام ، على عجلٍ ، ويؤكل كيفما اتفق .تغسل وتقوم بكل شيئ ، في ظروف صعبة ، في اليراري والبساتين :” لم يعد لدينا بيت ” تقول . وحده الجرار بمقطورته ، رفيق حركتهم والشاهد على معاناتهم .هو كل شئ بالنسبة لهم . تتذكر ملك تلك الأيام وهي تشعر بالراحة بأنها أصبحت بعيدة عن مخالب النظام ،تشعربالأسى لأن هذا هو حال السوريين اليوم ، وبالفخرلتفوق ابنائها في الدراسة، وبمشاركتهم الفاعلة في الثورة.

تضيف ” فخورة كأم ، وزوجة بنضال أسرتنا من أجل الحرية ، الوطن يستحق منا البذل والتضحية ..

الوطن الى حريته التي يبزغ الآن فجرها..” .

تترقرق الدمعة في عينيها ..لكن ابتسامتها تتسع أكثر !

2سبتمبر2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s