النص الروائي والسيرة الذاتية.. أفكار حول حكايات السارد والحياة

 

دمشق
ثقافة
الأربعاء 17 آب 2011
عبد الرحمن مطر

تبدو العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية اليوم، شديدة التداخل، إلى درجة يصبح فيها الخيط الفاصل ما بين هذين الشكلين من الإبداع الأدبي، كخيطِ سراب، في قيظِ صحراء، مفتوح على المدى البعيد. فلا يكاد القارئ يتلمس حدود كل جنسٍ أدبي، من دون مشقة الباحث عن أحدهما في جيب الآخر: الرواية، والسيرة.

كثيرة هي الأعمال  الأدبية، التي تحفل بها حياتنا الثقافية اليوم، التي تأخذ هذا المنحى في الكتابة، إلى درجة الحيرة في توصيف مايقرأ،  ما إذا كان روايةً أم سيرةً ذاتية، الأمثلة الدّالة على ذلك متعددة،  لدرجة أن بعضاً من دور النشر، اختص بهذا النوع من الكتابة، ويمكننا مقاربة- أو الإشارة إلى -جملة من الأعمال الأدبية، التي تندرج في هذا السياق، حتى  وإن حدّد المؤلف الجنس الأدبي المطبوع  الذي يتقدم به من القارئ. ‏

الكتابة شيء من الروح، أو أكثر، وإذا كانت وسيلة للتعبير  عمّا يعتمل داخل الإنسان، فإنه من الطبيعيّ،  أن يدغم السرد بالذاتي، أن يكون جزءاً  منه، ومعبّراً عنه، وفي الوقت ذاته متصلاً بما هوعام، لذلك، فإن كثيراً من الأعمال-خاصة الرواية الواقعية- تنقل لنا صوراً من الحياة، يمكن أن يكون الكاتب قد عايشها، وإذا كان بعض  الساردين ينفون صلة النصّ الروائي  بحياتهم، أو بذكرياتهم، فإن ذلك لا يغيّر شيئاً في الموقف المتشكل  حيال النصّ، وكذلك لا يضيف ولا ينقص من قيمة العمل، أو من القناعة بأن  العمل الفنيّ، فيه من شخصية  المؤلف وخصوصيته، وعوالمه، وبيئته.. الكثير. ‏

تعالق مع النص ‏

الروائي الكبير حنّا مينه، يعد واحداً من أكثر المبدعين السوريين المعاصرين – اعتلى كثير منهم سدّة الأفق الروائي السوري –  الذين شكلت الذكريات والبيئة، منهلاً أساسياً غَرَفَ الكاتبُ من أعماقه الكثير.. ما أضفى على روح النص واقعيةً  تفرّد بها، فكانت روايتاه (بقايا  صور)، و(الشمسُ في يوم غائمِ) علامتين  فارقتين، ليس فقط في متن النصّ  الروائي العربي، وإنما بما  تناوله – أيضاً – من قضايا، وما  قدّم فيه من ذاته، حياته، أو بعضاً  منهما، ولم يخلُ أي عمل لـ (حنّا مينه)،  من تلك النكهة/الرائحة الطيبة التي تخلّفها خطا حروفه، المنبعثة من مساره  الاجتماعي والسياسي. ‏

خزائن الذاكرة ‏

وإذا كانت أعمال (حنا  مينه)، عصية على النسيان أو التجاوز، فإن نص السيرة، لازمةٌ لصيقةٌ بأدب سليم بركات، الذي قدّم لنا بواكيره  الروائية الممتعة، في قالبٍ أثيرٍ  متماهٍ مع السيرة الذاتية، بل إنه أشار إلى ذلك بوضوح في نصّه الروائي: (هاته عالياً..هات النفير على آخره – سيرة الصبا)، فكانت لغته الرفيعة  العالية،حاملة الحكايات الأولى لذلك الصبيّ الذي لوّن القرى والبوادي بشقاوته،وبعشقه،وبتمرده،فأضفى على النصّ شيئاً من السيرة الفكِهَةِ  المحببة الجريئة،الغنية،التي عزز  اشتغاله عليها ، في بعضٍ من أعماله اللاحقة. ‏

لكن محمّد ملص، السينمائي، تميز بما قدمه في (مذاق البلح)، فكان نصّ اليوميات، هو – بالنسبة  لي – سرداً روائياً، أو هكذا وصل  العمل إليَّ، مع أن اشتغال الكاتب واضحٌ  لناحية الجنس الأدبي: يوميات، أو سيرة حياة، لمرحلة عاشها المؤلف في موسكو، خلال سنيّ الدراسة. ‏

لكن الأسلوب الرشيق, والتعبير العميق المختزل, والدلالة الرفيعة  لمعنى الكتابة لديه, ترفع من النص المبدع لديه, إلى درجة خلاّقة, يوميات سينمائي, بعين مجرب واسع النظر, بعيد المدى، حتى لتكاد أحياناً تشمّ رائحة  المادة العلمية, وهو داخل الاستوديو, أو تشمّ عبق الطبيعة وهو يسرد حكاياته  اليومية عليك، بكل ما فيها من جماليات  وأحاسيس, وأحلام وأمانٍ. ‏

أما في (ورّاق الحب) للشاعر والروائي خليل صويلح, فإن السارد يشي بنفسه، كان المؤلف يقودني خطوة خطوة, وحارة حارة, لاستذكار أحداث, وحكايات, أحسب أني عشتها, ربما معه، وهي ذخيرته وحكاياته التي عاشها، هكذا كنت أتصور  خليل صويلح, يعيد بناء حكاياته على  الورق حين يتناول حياة المثقفين, في حين تميد له بأفيائها وحاراتها, ورائحة أوقاتها المضفورة بتعب الأيام، قد لا تكون (ورّاق الحب)- بكل جمالياتها- فيما ذهبتُ إليه من علاقة بالسيرة  الذاتية، لكنها قطعاً ليست منفصلة عن معاشٍ يوميّ يمكن لأي كاتب أو مثقف أن يحياه، وبهذا المعنى, فهي  سيرة المثقف، لكن صويلح يبدو أكثر انحيازاً لرواية ذاكرة الطفولة في عمله الأخير(سهابك الغزالات). ‏

ترتيب التاريخ ‏

من السيرة الذاتية، إلى سيرة شعبٍ ووطن، كتب كثير من الأدباء أعمالاً روائية، برز  فيها المعطى التاريخي كمكوّن جوهري  في النص السردي، وإذا كان عبدالسلام  العجيلي قد برع في نقل حكايات مرضاه  الواقعية، إلى نصوص أدبية، وكذلك  أسفاره، فإن روايته (المغمورون) أرّخت  لسيرة جماعات بشرية، داهمت قراها  مياه الفرات، في سياق تنمية مستدامة، مصّوراً الصراع الذي ينشأ في علاقات الناس ببعضها، في المكان، وفي  الظروف، وكذلك جاءت (مدارات الشرق) لنبيل سليمان، تعيد كتابة تاريخ  وطن، فيما سردت (سمر الليالي) سيرة نساء في مكان محدد هو السجن. ‏

وليد إخلاصي في روايته (الحروف التائهة) يستذكر سيرة حياة مرّت،  من خلال وجوه آخرين حفلت حياته بحضورهم: أتراب الطفولة والشباب ،وزملاء  الدراسة، يضاف إلى ذلك أهمية ماقدّمه  في (السيرة الحلبية). ‏

وإذا كان خليل صويلح ، تناول في غير عمل  سيرة المثقف (ورّاق الحب، دع عنك  لومي)، فإن أيمن ناصر كتب في روايته (اللحاف) سيرة المثقف، الفنان التشكيلي،  هي سيرة غربة السارد، الذي يمثل بؤرة النصّ الأدبي، مع تعدد مستويات  الشخوص المتمحورة من حوله، حيث  ينقل (ناصر) تجربة مدرّس سوري في اليمن، عبر العلاقة التي تربطه بمعلمين  آخرين وافدين من دول مختلفة: (مصر، السودان، سورية..) ليجمعهم مكان واحدٌ، وظروفٌ واحدة، وهي ليست سيرة الغربة فحسب، إنما سيرة أفكار، وأساطير ومعتقدات،  مثلما هي سيرة مكان – بكل ما يحتويه – من كتف الفرات حتى تلال حوث. ‏

يبدو الأمر أكثر جلاءً، لدى (حليم بركات) في روايته المميزة (المدينة الملونة) التي يقدّمها للقارئ كما هي، سيرة المؤلف منذ الطفولة، حتى لحظة الكتابة، من الكفرون حتى  واشنطون، مروراً بالمدينة الملونة (بيروت) أميرة الحكاية، محور النص الروائي  وجوهره، فيقدّم إلينا كتابته عبر  سردٍ مشبعٍ بالألم، والشعرية،  والأسطورة، محدداً موقفه وموقعه من الأحداث التي جرت في زمانه، وفي  الأماكن التي عاش فيها، وعايش  أحداثها وتجاربها السياسية، والثقافية، والمعرفية. ‏

ما سقته – آنفاً  – هو جملة من أفكار، كانت تراودني  من آنٍ لآخر، عند قراءة نصٍ  سرديّ، فأتلمس ذلك الخيط الرفيع غير  المرئي.. الدقيق، الذي يربط الكاتب،  بحروفه وكلماته، بقلمه وحياته ،فيسقي كتاباته بماء الروح، ونثار الذكريات،  أو مايعلق بها من حلات عكرة، أو أثيرة  لدى السارد.‏

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s