حراك ثقافي

 عبد الرحمن مطر

·    هل يبدو الحديث عن العمل الثقافي ، والحراك الثقافي ، في مثل هذه الظروف

الوطنية ، ضرباً من العبث ؟ّ!  أم أنه يأتي في السياق الطبيعي ، طالما أن  هناك
توجهاً لطرح الاستراتيجيات الكبرى للمجتمع والدولة ،للنقاش الهادف نحو المضي
بنهوض شامل ، بما يقود لتأسيس بنية جديدة ، يأخذ فيها الجانب الثقافي سياقاً
محورياً بالضرورة . لأن الثقافة بطبيعة الحال شرط ضرورة لقيام أي عمل من شأنه
إحداث نقلةٍ نوعيةٍ في الإطار المجتمعي .

ففي حزمة اللجان والقرارات التي صدرت مؤخراً ( الحوار ، الفساد , الاعلام ،
الأحزاب ..) يمكننا أن نتلمس بوضوح الجوهر الثقافي الذي تنطلق منه تلك الأفكار
، في ظل التجاذبات المحورية ، لتعلو قيمة الراهنية الثقافية على المدلول الذي
تعكسه حال ” الخمول ” الذي تتسمُ به الحياة الثقافية اليوم – كما بدا لي – في
ظل حراك سياسي نشط ، هو في الأصل اختبار للنظريات / والمعتقدات ،  أو أنه
محاولة لتجريب الأفكار ، مع شيوع احساس ما ، بأن ” الفرص ” قد أضحت دانية لها !

ما يهمنا هنا ، ليس مناقشة ذلك ، على اهميته الراهنة . لكن الاشارة إلى المسالة
الثقافية ، في هذه المرحلة بالذات ، هي شارحة كما أشرت  آنفاً – ضرورة ، طالما
أن الهدف الأسمى والغاية الأعلى لكل عمل ” نهضوي ” يستهدف الانسان ، وهو جوهره
.لذلك فإن العمل الثقافي يجب أن يأخذ سياقه العام ، أن تتأسس وفقاً لمعطياته ،
جملة الفعاليات التي تعبر عن الحراك السياسي ، في مجتمع اليوم ، بما يعيشه ،
وما يمكن أن يصل إليه .

ما يلفت الانتباه في ” المسألة الثقافية ” امرين أساسيين ، أولهما هو فُجاءة
اليقظة الهاربة من كابوس ٍ ، أقلق الغفاة على الوثائر ، فتم تسخير كافة
الفعاليات والأنشطة الثقافية  – في المنابر الثقافية – لإطلاق ما يشبه حملةً
لمواجهة تحديات المرحلة ، بخطاب بعيد عن المقاربة الثقافية ، وهو – في اعتقادي
– جدير بالأخذ به معرفياً ، لقراءة جدية للواقع ، وتطوراته .

لقد بدا الأمر ، وكأنه أداء وظيفي ، ولأنه كذلك فإنه من الصعب أن يتلمس المسائل
على اهميتها . في حين يتطلب ذلك ، درجة عالية من الوعي والمعرفة ،   القدرة
والتجربة .

أسوق تلك الأفكار ، وقد أوحى لي بها ، الأمر الثاني ، والمتمثل بتصريح الدكتور
رياض عصمت ، وزير الثقافة ، بشأن اقرار خطة تستهدف اصدار ( 250) كتاباً خلال
العام الحالي . والتصريح – على أهميته – اعتقد أنه مرَّ عابراً ، في الوقت الذي
يجب أن يقودنا فيه مثل هذا التوجه إلى مقاربة دور الثقافة ، والمثقفين
والمؤسسات الثقافية ، في تفعيل الحراك الراهن في المجتمع . في ظل استحواذها على
منظومة كبيرة من آليات التأثير الثقافي ، شأن أية مؤسسة ثقافية في ظل أي مجتمع
، أو نظام ، أو دولة .

واذا كنا لا نغفل جدية ما تقدمه وزارة الثقافة من مطبوعات ، وما تقوم به من
أنشطة ، فإننا بالتأكد نختلف على أهميتها .وهنا بعضٌ من قيمة الاختلاف وضرورته.
فإن جملةً من الأسئلة تفرد شراعاتها  ، حول الجدوى – وهي تراكمية بالطبع – لكن
المقصود به هو الجدوى في ظل عزوف قاتل للمجتمع ، عن القراءة ، وعن مشاركة واسعة
، تفاعلية في الانشطة الثقافية ، التي يفترض أن تؤدي إلى حراك ثقافي مؤثر .

إن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل مناخ مؤاتٍ ، تتوافر فيه شروط أساسية تتمثل
في وجود استراتجية محددة للتنمية الثقافية ، توضع من أجلها القدرات والإمكانات
اللازمة لذلك . وتوفُر كادرٍ مهني ، متخصص ، يمتلك من المعرفة والخبرة في العمل
الثقافي ما يؤهلهُ لخلق فضاءاتٍ تتيحُ وتساعدُ على تحقيق تلك الاستراتيجية ،
فيما يتصل بنشر الثقافة ، أو الكتاب ، أو برامج عمل المؤسسات الثقافية ، وفي
جَسْر الهوة بينها وبين المتلقي ، أو المستهدف بالعلمية الثقافية .

في ظل الظروف القائمة ، وبما تتجه إليه من حوار نؤمن به ، نسعى إليه ونريده ،
يبرز السؤال أكثر من ذي قبل عن دور المؤسسة الثقافية ، وعلاقتها بالمثقف ،
مثلما تبرز القيمة التفاعلية ، التي نريد لها أن تكون مؤثرة ، لا متأثرة ،
محركة دافعة ، لا مندفعة ، في مجتمع أضحت فيه العملية الثقافية ، مجرد ظاهرات
منفردة لا حراكاً تراكمياً ، يقود إلى تنمية ثقافية مستديمة ، نحن بأمس الحاجة
إليها ، اليوم وغداً .

*almatar₆**₀** @ gmail.com
*

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s