خليل صويلح في ” سيأتيك الغزال ” :

      سيرة العطش،وشغف الأحلام والنزق !

                                                                       عبدالرحمن مطر

      أهي سيرة ذاك الفتى الذي تشظّت أيامه، بين الخابور وبردى،فتملكته الحيرة أي الماءين أروى،أم هي خطاه في دروب القندريس،أم عرائش الياسمين..أم أنها بين هذه وتلك ! سيرة عطشٍ آثر خليل صويلح،أن يؤرخ من خلالها سيرةهلاكٍ لمجتمع،ورؤى ، وأحلامٍ ظلت على مدى نصف قرن مضى باهتةً ، إلاّ جمرة الروح تأجج اشتعالها في مجمل نتاجه الإبداعي:شعراً ، وروايةً ، ومقالةً .

“سيأتيك الغزال” رائعة البدوي المنفلت، في غاب اشتعال الروح والخطى ، من قرى لم يبق فيها سوى الآثام الأولى لذكريات ، تدق مخيلته من حين لآخر، فيما الخراب سيدٌ أعلى للمثل التي نشرت راياتها فوق تلال الفقراء..الناس الباحثين عن أشياء لن يدركوها،حتى في الأحلام التي كانت تجعل حيواتهم ممكنة،إلى الحدّ الذي يطوون فيه انكساراتهم المتوالية،لأن العطش – بكليّته – يداهم أضلعهم ،ويجعل من أيامهم جدباً فوق جدبٍ،في مجتمع عالي البساطة ، ثرِّ الأوهام التي تعشعش في مخيلات الناس،الى درجة التصالح مع الغيمات،والإندغام في الريح،من أجل مطر ٍ، قد لا يأتي أبداً..في أي شتاء !

                                         شخوص

    تتالى شخوص الرواية، أبناء الحياة الطبيعيين ، الذين يلوِّنون مجدتمعاتهم بحكاياتهم ، ويخلقون بحراكهم ملامح الطرقات التي تلتصق بالعشب حيناً ، وبالجفاف أحايين كثيرة ، وفي كل صفحة – مجازاً – يسكب ” صائغ ” سيأتيك الغزال ، شخصية جديدة في النص الروائي ، الذي أراده خليل صويلح ، أن يعكس حياة مجتمع بأكمله ، بكل ما فيه من تناقض وغنى وتجارب. حياة بسيطة ، لكنها مشبعة بالشغب ، والأفكار، والأحلام التي  تشي بها سلوكياتهم ، وتبوح بها ألسنتهم.هي حياة أكثر أهمية من مجتمع الخواء الذي آلت إليه أريافهم، وحياتهم فيما بعد.أي بعد هجرتهم وهجرانهم ، ومعيشتهم الضنكة ، في اطرافٍ مرّةٍ باهتةٍ ، في المدن التي تطحن الإنسان قبل كل شئ .

لكل شخصية في الرواية وظيفتها، وكل ملمح حكائي ، تشكل الشخصية حاملاً له ، وإضاءة ما لجانب من حياة الراوي – سيرته – الذي تتمحور من حوله الأحداث ، والشخصيات ، والحكايات ، حتى وإن كان يتصرف كراوٍ فاعل في الأحداث ، لكنه غير صانع لأيٍ منها ، طوال صفحات الرواية ، وزمنها الذي يقترب من – أو يزيد – الأربعة عقود ، ليتحول الراوي الى شاهد في سيرة العطش .

                                         لغة النص

أفكار طفل السابعة / الفتى، وتعبيراته، ومشاعره، تنهض بها لغته الطينية الأولى، المجبولة بماء السؤال ،ودهشة الاكتشاف للأشياء الأولى التي يتلمس صبيّ السابعة، خطى الحياة عبرها،منذ ترك بيت الأهل، باتجاه المدرسة على ظهر الدراجة النارية، وسيلته الأولى لمغادرة البيئة التي ولد، وفتح عينيه في فضائها، إلى عالم آخر، قد لا يبدو مختلفاً: بيت الجدّ. لكنه فضاءٌ آخر، للمناكفة والشغب، والشقاوة والتعلم أيضاً.

    ترتقي لغته، مفرداتها، وأسلوبه التعبيري، كلما تقدمت تجارب الفتى ، وانتقل من صفّ إلى آخر، ومدرسة إلى أخرى ، تنقّل بين ضفة وأخرى. وصولاً إلى افتضاضه مجتمع المدينة، بكل بهائها، وبكل شقائها وتنوعها، وصولاً إلى اكتشاف متعة الحرف والقراءة واقتناء الكتاب،ومتع الحياة الأخرى:سينما ،جنس،مقاه..

    ترتقي اللغة، وتنهض، وتنمو بنماء ذهنية الفتى / الشاب. لتتلون بذلك أبجديته المعرفية الخاصة، وكذا تتطور رؤيته للأشياء التي يحياها الفرد في المجتمع، وتحمل في طيّات حروفها مواقف وأفكار، تتبلور تدريجياً، مع تقدم النص الروائي نحو خواتيم الحكايات المرّة، لشخوصها المتعبين الذين تلوثهم أقدار مضنية، عاكست أحلام القرويين الذين صدّقوا أضغاث “شعارات” لم تصل إلى حوّاف الحقول التي غادرها الخصب، والغيم، والبشر، وبقيت فيها الريح: مجرد لغة تتأفف من وطأة وجع صار يلازمها كأطلال ذكريات .. لا اكثر.

                                            العطش

يسرد خليل صويلح في نصّه الروائي، سيرة حياته المتداخلة بين الذات والوطن.بين الخاص والعام، حكاية فتى تروي يتحسس الأشياء ويطرح الأسئلة، ويكتشف بيديه رائحة المطر والماء، وطعم الطين، وبهاء القراءة، ومتعة الفن. مثلما يؤرخ لحقبة طبعت رحلة السنون الممتدة على مدار أربعين عاماً من تاريخٍ سوريّ، تداخلت فيه السياسة والثقافة، والاجتماع،والحضارة، على نحو يشكل شهادة على مرحلة استبد بها العطش لكل شيء: أرض خصيبة انتقلت إلى الجفاف. وأرواح عطشى للحياة المقبلين عليها، بكلّيتهم، يزرعون آمالهم في الغيمات العابرات، فلا يمطرن، يرفعون أدعيتهم إلى السماء، فلا ينشق القدر عن نجمة المشتهى، يرفعون أوراقهم إلى أولي الأمر، فلا يصل صوتهم! تتبدل حال القرى إلى الخراب. وتجدب الروح المجبولة على العفوية، والصدق والتلقائية، فيتعلم البدوي تلفيق الحكايات والبطولات: في الحرب، وفي العشق، ويتسابق مع انداده في اصطياد الوهم بعد عذاباتٍ، لا تكفّ عن التوالد.

    سيرةُ عطشٍ، هي أيضاً إلى مجتمع تحيا فيه الأفكار، وتنمو وتزدهر، في ظلال الحرية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة المفقودة، ولكن، حيث بنى الفساد أعشاشه، واستوطن البلاد والعباد .

    سيرة عطشه هو، لأن يأتي الغزال بالماء، وأن تكفّ الأفاعي والعقارب، عن مداهمة خلواته وعرائش صمته، وهي تفسد عليه نومه، ويقظته ،كلما راودته البراري الممتدة ما بين دمشق والحسكة، وبين بردى والبليخ، ودجلة، وهي تتماوج بوجع الروح.

    لا أستطيع أن أقرأ سيأتيك الغزال اليوم، بمعزل عن الحدث السياسي والاجتماعي، الذي تناوله الكاتب في الرواية، وبين ما يحدث اليوم في سورية اليوم ..أهي نبوءةٌ؟ مقدمةٌ حُبلى بالمواقف والآراء التي ” يكاد ” أن يضع فيها أصبعه على الجرح تماماً ..وأن يلاحق هذا الفتى القلاّق النزق، حروفه، قبل أن تنسج الكلمات في أفئدة الأسئلة التي لا تنتهي، والأحلام والخيبات، والانكسارات التي لها أول عند الرواي، ولا أخر لها عند أحد.

“سيأتيك الغزال” إضافة أخرى جديدة هامة، على صعيد تجربة خليل صويلح . وفي المشهد الثقافي – السردي السوري المعاصر .. هي أيضاً إضافة جادة. وهي: رواية تحرّض على نثر نسيج سيرتها .

                                                                                  سيأتيك الغزال،خليل صويلح،دار رفوف – دمش2011

almatar60@gmail.com

–         كاتب سوري

–         ———————————————————————————

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s