إشكاليات في الثورة

    عبدالرحمن مطر

الحديث عن الثورة ، يستوجب بالضرورة الاشارة الى ما ينتابها من اشكاليات ومثالب،وإن أي رفض لذلك،على اساس ان الكلام عن السلوكيات الخاطئة ، فيه الكثير من النيل منها ،والاساءة اليها،وانه يصب في مصلحة اعدائها،هو بالنسبة لي أمر غير مقبول على الاطلاق.

اليوم وبعد قرابة 20 عشر شهرا من عمرها ، يتوجب التوقف عند محطاتها الفاصلة ،للدراسة والتقويم،وأي مواطن سوري ،هو مؤهلٌ لذلك ، إما بحكم انخراطه الثوري، او معاناته. والواقع أنه كثرت في الآونة الاخيرة الدعوات التي تنقد أداء المؤسسات المعنية بالثورة،في الوقت الذي بدأ فيه انكشاف جزء كبير من الحراك الثوري،على أن معظمه اعلامي ، ولا عمل اساسي على الارض ” سياسي ، او عملياتي ” ، وأن جلّه إغاثي على أهميته القصوى .

1

وحده الرصاص يفرض وجوده،ولكن في ظل فوضى عارمة.كل جماعة مسلحة مقاتلة “كتيبة”،تقوم بعملياتها العسكرية ضد جيش النظام منفردة،وكذلك الأمر فيما يتصل بأعضائها ماليا واداريا،دون مرجعية واضحة،على رغم انضوائها في إطارات سياسية لاتعدو أن تكون واجهة لاأكثر.ويظل الحديث عن توحيدها مجرد محاولات شكلية،يبذل فيها المال السياسي.

ترى هذه الكتائب،أن المحيط الذي تنشأ فيه،هو مجال ميداني خاص بها،وليس من حق أحد التدخل في نشاطها الجهادي هناك.لذلك نرى أن غياب التنسيق،لايمكن أن يقود إلى تحقيق تقدم استراتيجي على الأرض .

تلك الفوضى أفرزتها وعززتها اوجه الدعم المختلفة – خارجية بالطبع – التي تقدم لتلك المجموعات المسلحة،المال والسلاح،بما ينسجم والمشروع السياسي للجهة الداعمة .

ليس ثمة استراتيجية حتى الآن، لمسار الثورة في الداخل،بهدف إسقاط النظام.قد تكون موجودة في الأدراج،أو في الذهنيات،لكننا لانلمس شيئا على الارض.هذا أيضاً من الاسباب التي تخلق وتعزز الفوضى الراهنة في المال والسلاح،وفي التبعية،وفي الأداء على الأرض.

2

 لقد استطاعت التيارات الاسلامية،وضع اليد على الثورة.ليس لأنها الوحيدة –الى حدٍّ- ما على الأرض،أو أنها هي التي تقوم بالمنجزالثوري، وأن التيارات الأخرى غائبة عن الحراك العملياتي،ليس ذلك على الإطلاق.بل لأنها تمتلك المال والسلاح والغطاء السياسي الاقليمي والدولي،وتقوم بإنشاء الجماعات المقاتلة . وهي قي الحقيقة – و ليس خافياُ عن أحد- مرتبطة بثلاثة تيارات أساسية هي ” الأخوان المسلمون ، السلفيون ، القاعدة” .

ودون الخوض في خارطة الانتماءات والولاءات،لتلك الكتائب،التي أسميها “جماعات مقاتلة” أشير الى مسالة السيطرة على الأرض ، وهو صراعٌ غير مخفيّ بين تلك التيارات وأدواتها ” الجماعات المقاتلة ” .فيما النشاط الأبرز سياسياً،يعود لجماعة الاخوان المسلمين،التي تنشط في اتجاهات مختلفة، في سياق خطتها لإعادة بناء التنظيم داخل سوريا. إن الثورة التي احجم الاخوان المسلمون عن المشاركة في انطلاقتها،قد منحت ” الحركة ” فرصة تاريخية لم تسنح لها منذ الأربعينيات ،وربما لن تتكر، لتنظيم نفسها . إنها اليوم القوة السياسية السورية الأكثر تنظيماً في الداخل والخارج، من حيث القدرات . ينضاف الى ذلك انها المكوّن واللاعب الأساس لغالبية الجمعيات والمنتديات الاجتماعية ذات الطابع الانساني وأعمال الإغاثة،او هيئات العمل السياسي.وجميعها غير مرتبط مباشرة بالجماعة،إلا أنها فاعله وتفرض شروطها واسلوب عملها مقابل التمويل.

3

وفي الوقت الذي يتهافت فيه اليسار السوري،ومكونات المجتمع المدني،على مسائل وقضايا وجدالات ، في عوالم أخرى من أفكار وسلوكيات لا تقدم ولا تؤخر شيئاً في مسار الثورة،الذي ماعاد منفكاً عن الزناد .

فإن العناية بفكرة المجتمع المدني،تظل غائبة بصورة ملفتة للإنتباه،مع امتداد نشاط التيارات الاسلامية افقياً وعمودياً.ما يعزز القلق ،بإقصاء فكرة أن تكون سورية ما بعد النظام ” دولة مجتمع مدني ” . ما يتأسس على الأرض ،يستوجب دقّ النواقيس ، في ظل غياب المثقف السوري ، غياباً فضائحياً أيّاً تكن أسبابه . وهو غيابٌ – في اعتقادنا ناجمٌ عن عن ثلاثة مسائل هي :

أ‌-       انكفاء المثقف ذاته .

ب‌-  تهميشه من قبل الحراك الثوري ، مع القبول بمشاركته .

ت‌-  إقصائي ، مع رفض أي دور له .

4

ثمة  مسائل جوهرية، في السياق ذاته ، يمكننا الاحاطة بها هنا :

أ‌-       إن غياب الرقابة والمتابعة، وحصر المسؤليات،داخل صفوف الثورة،يمنح الفوضى بيئة مؤاتية لنمو الفساد الذي يستفحل يوماً إثر أخر، في صفوف القوى الثورية ،من الإتجار بالسلاح والدواء،وتبديد الموال ،الى شراء الذمم والمحسوبيات،وغير ذلك من المسائل التي تستوجب المساءلة الثورية ، ومنها مسألة ” الغنائم ” وما تثيره من إشكاليات شديدة الخطورة .

ب‌-  عدم وجود ضوابط قانونية – إنسانية ، لعمل تلك الجماعات المسلحة . فما يزال القيام بأعمال تتنافى والقانون الدولي الانساني ، والشرعة الدولية لحقوق الانسان،والبروتوكولات الملحقة به،وبشكل خاص اتفاقية جنيف الرابعة ، أمراً شائعاً ولا يلقى استنكاراً أو استهجاناً داخل صفوف المقاتلين.الأمر الذي يشكل إساءة حقيقية للثورة، كونها ترتكن الى أساليب التعذيب والقتل ، التى يعاقب عليها القانون،وتحرّمها الشريعة الاسلامية،التي تأخذ بها الجماعات المقاتلة.

ت‌-  عدم القدرة على فرض الامن ، داخل المناطق الخاضعة لسيطرة المجموعات المسلحة ، حيث تكثر عمليات السلب والنهب ،وتدمير البنى التحتية ،  وإتلاف الممتلكات العامة .

ث‌-  الممارسات التي تقوم بها بعض المجموعات ، على البوابات الدولية والحواجز في الداخل ، من حيث اسلوب المعاملة والمصادرة ، بما يشكل تعدياً على الحقوق والحريات الشخصية .

ج‌-    وجود عمليات تخزين كبرى ن لكميات ضخمة ، وبشكل فني ومنظم للسلاح في الداخل . دون أن يستخدم في الاعمال القتالية ، إضافة الى الأموال ، وذلك من قبل أطراف محددة !

ويمكننا أن ندرس بصورة تحليلية مفصلة ،جملة المعطيات والملاحظات الأساسية التى اوردناها في هذا النص .

5

إن الحرص على الثورة ،يتطلب – وهو أمرٌ مُلزمٌ بالنسبة لي – الوقوف على جملة الاشكاليات  الناجمة عنها ، وعن مسلكيات المؤسسات والأفراد المنخرطين في صفوفها . والهدف دائماً هو في مصلحة الثورة : إعادة البناء ، وتحديد الأهداف ،وفقاً لرؤية استراتيجية،تساهم في وضعها وتنفيذها جميع القوى الوطنية السورية.

وفي ظل غياب ما يمكن الاتفاق على خطوطه العامة ، والتنسيق فيه بين مكونات الحراك الثوري ، تبقى المور في دوّامة من الفوضى ، والابتعاد تدريجياً عن الهدف الأسمى : إسقاط النظام . ثمة مخاوف حقيقية ، اليوم وبشأن اليوم التالي ، المرحلة الانتقالية . نحن لا نقترب من غايتنا ، والثورة في خطر من داخلها .. مثلما هو من خارج أيضاً .

ذلك ، بفضل ما يمكنني تسميته ” ديدان الثورة ” الذين ينخرون جسدها الفتيّ الغضّ ، بالأنانية والأفق الضيّق ، والإقصاء والتهميش ، والمال  ، والارتهان للخارج ،  وبث الفوضى وتعزيز التفرقة بين السوريين .

انكش قليلاً .. تجدهم في تربة الثورة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s