حكاية سورية / القرية

حكاية سورية

6

تتوزع بيوتات القرية الصغيرة ، مابين الوادي الكبير المتعرج الذي تحيط به الجبال كالسوار. سوارٌ أخضرَ من اشجار الزيتون ، والحقول المترامية على مدّ النظر..وبين التلال المرتفعة قليلاً ، فيتكون مِطَلٌ لم يطُلِ الصمت حتى قطعه الثغاء بعيد آسر للطريق الضيقة الوحيدة ، المؤدية الى العمق السوري.

قبل ان تنتشر خيوط النور في الصباح ، كان الصمتُ مطبقاً بجماليات تتداخل وتتبادل الادوار مع جمالية الغيوم وهي تُفسح للنور دروباً منسربة من خلف الجبال البعيدة الملتصقة بالسماء.ومع الطبيعة والهواء النقيّ ، الذي لا يماثل صفاءه سوى وضوح الرؤية والفكرة لدى السوريين : فكرة السعي الى الحرية .

كنتُ أرقب المشهد من علِ ، فجراً ، فوق تلّة عاليةٍ تسلقتُها بهدوءِ سنواتي الخمسون ، رغم تحذير الحارس أن اكون هدفاً سهلاً . وحين بدأت الحياة تدبّ في المكان ، كان الرعاة يسوقون خرافاً وخيلاً وثّابةً غير هيّابة .. ومن الجهة الغربية بضعة اطفال يدخلون الكروم ، أراهم من بعيدٍ بألبستهم الملونة ، فيما البرد القارس ينكسر بعد امطار أيام ثلاثةٍ مرّت هنا .

لم يَطُلِ الصمتُ حتى قطعه الثغاء ، تردد صداه في الفضاء البكر .. ثم لم تلبث قطرات المطر أن اخذت تنثال برفقٍ ورقّةٍ . قطع ابو همام خلوتي مقتربا مني  ، متمنياُ ان يشتد المطر ودعاني للنزول قبل ان يزلقني الطين . قال لي : اذا اشتد المطر لن يتمكن الطيران من التحليق فوق المنطقة ، وينفذ عمليات التدمير ..

لكن صوت الميغ ، وصل اسماعنا قبل ان يكمل جملته . يعلو هديرها، يعلو ويقترب .. حتى شاهدناها في الأفق البعيد ، لتنقضّ أسفل ثم تعلو كذئب ..هاربة الى السماء .، تاركةً شيئاً لمّاعاً خلفها  مع الدخان . رأيت لمعانه للحظةٍ قبل أن أن يهتز المكان وأسمع دويّ انفجارٍ ملأ الوادي والقفار والقلوب رعباً . لم أر في المنطقة مقاتلين ، سوى بضعة عسكريين لحماية الاهالي بأسلحةٍ فردية . رأيت فقط بندقيتي كلاشينكوف ، وخيمتين ، واخرى ثالثة كي نبيت فيها .

بدأت الاتصالات تنهال على ابي همام ، استاذ الاقتصاد ، كي يؤمّن الإمدادات اللوجستية لإخلاء الجرحى : كانت القرية المجاورة هدفاً في مثل هذا الصباح الباكر البارد.الذي ينتظر فيه الأهالي المؤن الغذائية والأغطية لمقاومة الشتاء ، وهو يدّق ابواب المخيمات والقرى النازحة بقوة ، فدقت طائرة الميغ أبواب القرى ، وقذفت بالموت أحلام الصغار ، قبل ان تمتد أياديهم الغضة ، لقطف رمانةٍ أرهقت غصناً ، تدلى فوق جسده الممدد على التراب المقدس ..

فقط لأنهم يدقون بكرامةٍ باب الحرية..

مساءً غادرتُ القرية ، عبرتُ الحدود متسللاً . وحين وصلتُ أنطاكية جاءني الخبر : طائرات الميغ قصفت للتوّ القرية التي احتضنني اهلوها..وأغارت على باب الهوى..

سنبقى رغم كل شئ طلابُ حريةٍ .. و في الروحِ يقيمُ الهوى !

 17نوفمبر2012

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s