اسلاميون ومدنيون .. وفوضى المستقبل !

 

         صورة

 عبدالرحمن مطر

يبدو الإسلاميون اليوم هم في واجهة الثورة ، فيما يسجل المدنيون تراجعا ملحوظا ملفعّا بالضعف الكبير أمام مقدرة تنظيمية، ومنظومة سياسية ومالية واقتصادية، يتعزز وجودها على الارض ويترسخ.

1

لم يعد خافيا على أحد، أن حركة الاخوان المسلمين، باتت اليوم تسيطرعلى مفاصل الثورة، ويتمثل ذلك في التسليح، والتمويل، والمؤسسات ذات الطابع المدني والاداري. وبصورة فعّالة استطاعت الحركة أن تضع يدها على المجلس الوطني، وعلى الائتلاف والحكومة المؤقتة. ويتبع لها عدد من المؤسسات والجمعيات والمنظومات ذات النشاط الاغاثي، والفكري، علاوة على مؤسسات اعلامية مملوكة لها، أو أنها صاحبة القرارفيما يتصل بمؤسسات أخرى منبثقة عن عن المجلس الوطني، والائتلاف، ولاشك لاحقا الحكومة، وفقاً لمؤشرات التشاور القائمة حالياً.

 الحقيقة أن الحركة وضعت في مقدمة أولوياتها الاستراتيجية ” تقوية الصف الداخلي، وتحقيق فاعلية الجماعة وتعزيز حضورها ودورها المؤثر، في مرحلة الثورة وبعد سقوط النظام، وبناء هيكل تنظيمي مرن يستوعب المرحلة القادمة “..وذلك عبر القيام بـ ”  إعادة البناء التنظيمي وتدريب وتأهيل الكوادر المتخصصة والقيادية، واستقطاب كوادر وطاقات جديدة “. لذا فقد نشطت الحركة، في إعادة تنظيم صفوفها في الداخل السوري، من الخارج. واجتهدت بدعم كتائب ومجموعات مسلحة عاملة على الأرض، وإن كانت غير معنية بنتائج العمل العسكري – الى حد ما ، بمعنى أنها لاتعوّل عليه – فإنها تسعى لترتيب الاوراق والأولويات لمرحلة مابعد سقوط النظام. وقد بينت الرؤية الاستراتيجية للجماعة  أهمية ” بناء هيكل تنظيمي مرن يستوعب المرحلة القادمة..”.

وتدريجياً تمددت أذرع الحركة، نحو الاستحواذ على القرار السياسي للحراك الثوري، مستثمرة في ذلك علاقاتها التاريخية، باعتبارها جزءاً من حركة عالمية، تتلقى دعماً غير محدود. وقد مكنت الثورة، حركة الاخوان المسلمين، من استعادة حضور متقدم، في الساحة السورية، طالما افتقدته، بسبب عدم ثقة القوى السياسية والاجتماعية السورية بها، والناجم عن تقلبات المواقف والتحالفات وسوء الاداء فيما يتصل بالتشارك. يضاف اليه استثمار الثورة في اعادة ترتيب أولوياتها وعلاقاتها الاقليمية والدولية بصورة فعّالة، جعلت منها لاعباً رئيساً في أي خطوة تتصل بالمعارضة السورية، بل ومحركاً لها على حساب القوى والتيارات الأخرى ، التى تبدو عاجزة أمامها ، حتى وان اتفقت في الرؤى.

تتمتع اليوم حركة الأخوان المسلمون بعلاقات مميزة مع الغرب، ومع الدول الاسلامية الداعمة للثورة السورية، بخاصة تركيا وقطر، ويشاع اليوم عن اعتراف اخواني بدولة اسرائيلة وفق حدود الرابع من حزيران 1967. بغض النظر عن صدقية أو موثوقية الخبر، فإن تونس ومصر لم يتغير موقفهما القانوني من الاعتراف باسرائيل، بعد وصول الاسلاميين الى الحكم في البلدين.

لقد قطعت الجماعة شوطاً مهماً في سياق ” تعزيز العلاقات الإقليمية والدولية، وبناء شراكات استراتيجية ” وفي ”  وضع استراتيجية للتعامل مع اللاعبين الأساسيين إقليميا ودوليا ” .

2

اتسمت سيطرة الاخوان وبروز دورهم، بالاستبداد ، والتنكر للمسألة الديمقراطية ، وماكتبه قبل أيام ميشيل كيلو، حول البيانوني والديمقراطية، مؤسسٌ سلوكاً لدى الجماعة . انها تعزز في الحياة العامة فكرة ” كل سلطة دينية،  هي سلطة استبداد “. واذ تمارس ذلك داخل صفوفها ، فإنها تسعى لفرضه اليوم كأسلوب سلطة على الثورة. إنها لاتكتفي بذلك ، وانما تأخذ بتهميش القوى الأخرى واقصائها- متضمناً ذلك الأشخاص والأفكار- بحسب الحاجة اليها، فيما يخدم مشروعها في ادارة المرحلة الحالية، والتي يفترض أن تمتد لعامين، وفق استراتيجية الحركة. وهو ما يمكّنها من القبض على مفاصل الدولة السورية، عبر سيطرة تامة تفرضها، للتحكم في صنع القرار، إثر سقوط النظام.

3

مجدداً تمكن الاخوان المسلمون، من فرض رؤيتهم على قوى المعارضة. وهذه المرّة، تمثلت بفرض تسمية رئيس الحكومة المؤقتة غسان هيتو، رغم اللجوء ظاهرياً الى عملية الإختيار الديمقراطي. يضاف هذا النجاح الى جملة الانجازات التي مافتئ الأخوان يراكمونها منذ التحاقهم بالثورة ، وانخراطهم المكثف والواسع في مؤسسات المعارضة والحراك الثوري، بالنظر الى كونهم القوة السياسية الوحيدة المنظمة، الى جانب حزب الشعب. القوتين اللتين تراجعتا، أمام تقدم جبهة النصرة واخواتها على الأرض. كتائب ” الدروع ” الأخوانية، تكاد لاتذكر قوتها وأهميتها، بالنظر الى القوى الأخرى من جهة، والى قوة مرجعيتها السياسية النافذة والمؤثرة.

في حقيقته ، هذا الانجاز يقود اليوم بشكل أوأخر، الى مزيد من الانقسام والضعف في صفوف المعارضة السورية الممزقة أصلا . ويثبّت مسمارا اضافيا في نعش المؤسسات الوطنية، التي يفترض فيها أن تدفع بالثورة نحو أهدافها . لقد بدا واضحاً تضعضع الإئتلاف الوطني، منذ ليلة الحسم في تسمية رئيس الحكومة المؤقتة ، في خلاف بيّن يتمحور في آلية الاختيار ، بغض النظر عن الشخصيات المطروحة والتجاذبات السياسية التي ترافق هكذا عملية بالطبع. التقت المعارضة السورية في مسألة الطاولة بين تمريرٍ من تحتها، وقلبٍ لها.  هو في واقع الامر ماحدث حين فرض الأخوان مرشحهم وآليتهم في الإختيار، فيما نفذ الطرف الآخر، تهديده بقلب الطاولة. من هنا توّلدت تعزيزات الموقفين ، فجاءت تجميدات العضوية المتلاحقة لأعضاء في الائتلاف الوطني، متلاحقة، بعد ساعات فقط من القاء غسان هيتو بيان التكليف، من قبل أعضاء منتمون الى تيارات المجتمع المدني السوري داخل الائتلاف الوطني وفي الحراك الثوري. لتنتقل المسألة الى تجليات المحاصصة والمساومة.

اذن ثمة إشكالية جوهرية ، هي سيطرة الأخوان، على القرار داخل مؤسسات المعارضة، دون الأخذ بمصالح الأطراف الوطنية في الإعتبار، كشركاء في العملية السياسية . ثمة تراكم في المسألة ، يبدأ من دورهم في يسمى بـ ” ركوب الثورة ” أو حتى سرقتها ، ومن ثم سيطرتها على القرار السياسي في المجلس الوطني، وفي فترة ما، الجيش الحر. ولاحقاً وضع اليد، بلعبةٍ ذكية على الإئتلاف الوطني، وأخيراً قضية رئاسة الحكومة ، وبالطبع لاحقاً الحكومة بكليتها، إذا لم تتغير معطيات الصراع الإقليمي والدولي، داخل الشأن السوري.

4

السؤال الأهم اليوم هو: من يتحمل مسؤولية ذلك ؟ قبل البحث في الإجابة ، يمكننا طرح مسألة الولاءت، كعامل أكثر فعالية في مسار الثورة، من أي حراك، أو توجه سياسي، أو منجز ميداني على الأرض. توضح مجريات العمل السياسي و العسكري، تقدم الولاءات ” الأخرى ” على الولاء للوطن، وإن ارتدت لبوساً يبوح بنقد الإتباع. والاشكاليات التي تعاني منها المعارضات السورية، كبيرة ومتعددة، غير أن الموّجه لها هو التابعية الإقليمية بشكل خاص، تلك التي تدير دفّة الصراعات والتوجهات، دون أن يشكل ذلك عامل توافق بين مكونات الحراك الثوري السوري، الذي أسلم سفنه، بصورة أو بأخرى للآخر. ومسألة رئيس الحكومة المؤقتة ومايتبعها، هي أحدث وأشد التجاذبات، التي كشفت عجزنا على التوافق حول أية قضية حتى الآن، بل والسعي نحو دعم الأطراف الإقليمية، في مظهر استقواءٍ تظهر تجلياته الفاضحة في الخطى .

إن قوى الحراك الوطني هي التي تتحمل مسؤولية تقدم تيار،  على تيارات أو قوى أخرى، حتى وإن كانت متحالفة أو مجتمعة. وفي مقدمها اليسار السوري، وليس وحده من وضع البيض في سلّة واحدة، الجميع – الى حدّ ما – قبلوا بذلك، أو تغاضوا عن تقدم كاسح لقوى سياسية محددة كالأخوان المسلمين، على حساب المشاركة الشاملة في إدارة الحراك السياسي للثورة ، مع إدراكهم التام لخطورة تصدي تيار لوحده، في مسألة صناعة القرار بشكل إفرادي، ومن ثم الإشتغال بقدرة وجدية، على تكوين الرأي العام، بما يخدم مشروعهم. وليس غائباً عن الأذهان أن التحاقهم  بالثورة، يتصل بالصراع التاريخي بين الأخوان وحزب البعث، ومسألة الثورة بأهدافها مسألة تالية، وهذا ما تؤكده الشروخ الداخلية في حركة الإخوان المسلمين، انطلاقاً من حقيقة الموقف من الثورة، الذي كشفه تأخرها في الالتحاق بها، ومن ثمّ استراتيجتها التي تبلورت محدداتها وأولوياتها اليوم.

إن الفوضى المنظمة في عالم المعارضة، لن يقود إلاّ إلى فوضى تحكم المستقبل.

كاتب سوري

al.matar60@hotmail.com

 يمكن قراءة هذا المقال أيضا في موقع ” الحوار المتمدن ” على الرابط التالي :

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=353810

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s