استخدام الاسلحة الكيميائية في سورية

عبدالرحمن مطر / استخدام الاسلحة الكيميائية في سورية

 

لم يتأخر النظام السوري في الرد على ما نشرته الصحافة البريطانية من تأكيد خبراء عسكريين لاستخدام النظام أسلحة كيماوية في خان العسل،حتى أكد ذلك ثانية، في اليوم ذاته، قصف الشيخ مقصود – في حلب أيضاً – بمواد كيميائية، وبعد يوم واحد من إعلان الثماني، عجزهم عن دعم الثورة السورية !!

يعدّ استخدام النظام السوري أنواعاً محدودة من الأسلحة الكيمائية ضد المواطنين السوريين؛ واحداً من أشد التطورات العسكرية خطورة في العمليات الميدانية التي تقوم بها قوات الأسد ضد الثورة السورية، وحاضنتها الاجتماعية المدنية في أرجاء سورية المختلفة، وتتمثل هذه الخطورة في اتجاهات أساسية عدة:
– إنها وسيلة للخراب والدمار، تؤمن للنظام قدرة عالية على تدمير المواقع، وقتل الأشخاص، أو إصابتهم بأضرار جسدية ونفسية، كبيرة وهائلة .
– إنها تخلق حالة من الخوف والرعب والهلع في أوساط المدنيين، عبر استهداف أماكن سكناهم، ومن شأن ذلك أن يخلق رادعاً كبيرًا، بحسب ما يعتقد النظام من جهة، كما أنه يخلق الوقيعة بين المجموعات المقاتلة والحاضنة الاجتماعية، في محاولة لزرع فتنة التفكك في صفوف الثورة من جهة أخرى.
– إنها سعيٌّ لخلط الأوراق على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولطالما هدد النظام بإشعال المنطقة برمتها، إذا ما تداعى نظامه القمعي والاستبدادي.

 المشهد السوري
منذ كانون الأول / ديسمبر 2012، سجلت أول عملية إجرامية للنظام باستخدام الأسلحة ذات المقذوفات الكيميائية، بقصف مناطق سكنية في مدينة حمص. وتوالت انتهاكات النظام منذ ذلك الوقت، حيث تم تسجيل عشرات العمليات العسكرية، التي استخدمت فيها مواد محظورة دولياً.
ولاحظت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير لها أنها ” وثقت 59 من تلك الوقائع المروعة، التي أودت بحياة آلاف المدنيين في انتهاك صارخ للقوانين الدولية، من خلال زيارات لـ 52 موقعا شمالي غرب سوريا ” فقط. وفي الواقع إن النظام استخدم مقذوفات محرّمة دولياً، بموجب الاتفاقيات الدولية المبرمة تحت مظلّة الأمم المتحدة، ويمنع استخدامها ضد المدنيين تحت أي ظرف، وبأية وسيلة كانت.
واقعياً؛ هناك ثلاث هجمات مؤكدة بأسلحة كيماوية على المدنيين السوريين، وهي الهجوم قرب حلب، وهجوم آخر قرب دمشق – وكلاهما حدث في آذار الماضي – إضافة الى الهجوم على حمص في ديسمبر كانون الأول2012. وتبادلت المعارضة المسلحة والنظام، الاتهامات بالمسؤولية عن الهجمات الثلاث جميعها، إلاّ أن الدلائل الأولية تشير إلى تورط نظام الأسد في ذلك. لكن ثمة هجمات بالقنابل الفوسفورية، والقنابل الفراغية، والغازات السامة، وخاصة السيانيد، ومواد غبارية صفراء غير معلومة، وقنابل انشطارية وحارقة، قصفت فيها أماكن مدنية في كل من ريف حلب “طريق الباب- خان العسل” وريف إدلب، والرقة “الطبقة – معدان – السلحبية ” وريف دمشق، وفي حمص، حيث أفادت تقارير بأن النظام السوري ربما استخدم مادة تعرف باسم العامل 15 (مادة مهلوسة) في هجوم شنّه في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وأخيراً حي الشيخ مقصود بحلب قبل أيام.

 وسائل الأسلحة أنواعها
لم يترك النظام وسيلة من وسائل الموت والدمار، إلا واستعملها ضد السوريين عامة، والمدنيين خاصة، وفي مقدمها الأسلحة الصاروخية، وقذائف المدفعية، وصواريخ بالستية بعيدة المدى ” سكود “، تحمل مقذوفات كيمائية متعددة الأنواع والوظائف. وجميعها قد تم استخدامها في مواجهة الثورة، سواء بالأسلحة البرية التقليدية أم الجوية والطيران الحربي والحوامات، والبطاريات ومنصات الصواريخ.
وقد سجل النشطاء الحقوقيون والخبراء، لجوء النظام الى استخدام الغاز المسيل للدموع، وهو ليس سلاحاً عادياً أو بسيطاً يمكن تجاوز أهميته، وذلك بالنظر إلى تضاعف تأثيراته المتعددة على المدنيين.
وسوف نورد هنا تفصيلا حول أبسط أنواع الأسلحة الكيميائية، وأكثرها شيوعاً في الاستخدام، وهي القنابل المسيلة للدموع، استخدمها نظام الأسد منذ اليوم الأول لانطلاقة الثورة، وذلك استدلالاً على خطورة الوضع السوري:
“تتراوح آثار الغازات المسيلة للدموع وغيرها من المواد المستخدمة في مكافحة الشغب ، بين الإدماع البسيط والقيء الفوري والانهيار الجسدي. وأشهر تلك الكيماويات وأكثرها استخداماً هي “سي إن”، و”سي آر”، على الرغم من أن هناك حوالي 15 نوعاً مختلفاً من الغازات المسيلة للدموع (مثل الأدامسايت أو البروموأسيتون، والسي إن بي، والسي إن سي). ولكن استخدام السي إس حظي بانتشار أكبر نظراً لآثاره القوية مع انخفاض سميته بالمقارنة بغيره من المواد الكيماوية المماثلة. ويعتمد تأثير السي إس على كونه في صورة محلول، أو على شكل رذاذ؛ إذ يعد حجم قطرات المحلول أو جزيئات الرذاذ، من العوامل المحددة لمدى تأثيره على الجسم البشري .
تتفاعل المادة مع الرطوبة الموجودة على الجلد وفي العينين، مسببة الشعور بالحرقان وإغلاق العينين على الفور بقوة، وتشمل الآثار عادةً سيلان الدموع من العينين، والمخاط من الأنف، والسعال، والشعور بحرقان في الأنف والحلق، وفقدان التركيز، والدوار، وصعوبة التنفس، كما يُحدث الـ “سي آر” حروقاً في الجلد في المناطق المرطبة بالعرق، أو في حالة التعرض للشمس الحارقة، وقد يتسبب في حدوث سعال شديد وقيء في حالة استخدامه بجرعات عالية التركيز، وتنتهي هذه الأعراض تقريباً في ظرف دقائق من التعرض له “.
كما تربط العديد من الدراسات بين التعرض لغاز” سي إس” وحدوث الإجهاض، وهذا يتفق مع ما ورد في تقارير سابقة عن تسببه في إحداث خلل في كروموسومات (صبغيات) الخلايا عند الثدييات.

 الموقف القانوني 
يحظر القانون الدولي، أي استخدام لأي من أنواع الأسلحة الكيميائية، ويشدد على ذلك بمنع استهداف المدنيين في أثناء الحروب والأعمال ذات الطابع العسكري. وأهمها الاتفاقية الدولية حول الأسلحة الكيمياوية، التي دخلت حيّز التنفيذ عام 1997- وهي تحظى بدعم 188 دولة حول العالم- وتعدّ واحدة من أكثر المعاهدات الدولية المُلْتَزَم بها على نطاق واسع، وقد ” صارت ترمز إلى فكرة إمكانية إضفاء الطابع المتحضر على سلوك الحرب “. 
وبموجب تلك الاتفاقية، يمنع :
– إنتاج الأسلحة الكيميائية أواحتيازها بطريقة أخرى، أو تخزينها والاحتفاظ بها، أو نقل الأسلحة الكيميائية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أي كان.
– استعمال الأسلحة الكيميائية.
– القيام بأي استعدادات عسكرية لاستعمال الأسلحة الكيميائية.
– التعهد بعدم استعمال عوامل مكافحة الشغب كوسيلة للحرب.
ومن المهم الإشارة إلى أن سورية، لم توقع على الاتفاقية الدولية المذكورة، إلا أنها التزمت بعدم البدء باستخدامها. ومع ذلك كشفت مجريات الثورة السورية ، عن أن أن النظام لم يتوانَ عن اختراق الاتفاقية وفق النقاط الواردة أعلاه، بما يشكل مخالفة واضحة وعلنية للقانون الدولي.

 الموقف الدولي
اقتصر الموقف الدولي على التحذير من إمكانية قيام النظام أو المعارضة السورية ، باستخدام أسلحة محظورة دولياً، وظل حائراً بين سؤالين أساسيين ومحوريين، الأول حول حقيقة استخدام الأسلحة الكيماوية فعلياً، أما السؤال الثاني فيتمحور حول الطرف الذي استخدمها، وفي الوقت الذي تتبنى فيه روسيا والصين توجيه الاتهام لقوى الثورة، يبحث الطرف الدولي الآخر المؤيد للثورة عن إجابات للأسئلة التي تؤرقه، مضيفاً إليها البحث في قدرات النظام السوري من حيث الحيازة والتخزين والاستخدام.
لكن إسرائيل – التي أعربت مراراً عن مخاوفها بشأن أمن مخزون سوريا من الأسلحة الكيماوية – لم تُقِم الدنيا على النظام السوري ، مما يؤكد مسائل أساسية عدة، تتمثل في أن النظام استخدم بالفعل أسلحة محدودة، وهي مطمئنة إلى عدم تضررها منها، سيما وأن المناطق التي استُهدفت حتى الآن هي في العمق السوري، وبعيدة عن المناطق المحاذية لها.
وقد أثار استهداف خان العسل في ريف حلب والعتيبة بريف دمشق، حفيظة المجتمع الدولي الذي مايزال عاجزاً عن اتخاذ أية خطوات عقابية رادعة، بما فيها الإدانة في مجلس الأمن، بسبب الموقف الروسي والصيني المناهض للثورة السورية.
التطور الأهم هو في تشكيل لجنة للتحقيق في ما أسماه بان كي مون (مزاعم) بشأن استخدام أسلحة كيمياوية، يرأسها العالم السويدي المعروف ” اكي سيلستروم ” الذي عمل في العراق قبل مارس 2003، وبعدها، ضمن فرق التفتيش الدولية آنذاك . وهي المرة الأولى التي يُطلب فيها من منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية، إجراء تحقيق في إحدى مناطق الصراع.
وسوف تنحصر مهمة اللجنة في القيام بمهام التحقيق، عما إذا كانت قد اسُتخدمت أسلحة كيمياوية في سورية، بغض الطرف عمن قام بذلك.
وفي الواقع ، فإن خلافات أساسية ماتزال قائمة بين الأمم المتحدة، والنظام السوري، حيث تصر دمشق على تحديد مواقع التحقيق حصراً في خان العسل، بينما تسعى المنظمة الدولية للتحقيق في جميع المناطق التي وردت تقارير بشأنها.
وفي الوقت الذي تنأى فيه الدول دائمة العضوية بنفسها عن المشاركة في فريق التحقيق، فإن موسكو وبيجين تصرّان على حضور أساسي لهما.

 خلاصات
ثمة مجموعة من الحقائق الأساسية بين أيدينا اليوم ، فيما يتصل بقضية بالغة الخطورة والأهمية، ومن خلال البحث والاستقصاء في عدد من المعطيات السياسية والعسكرية والقانونية، نخلص إلى حقيقة جوهرية، بأن النظام السوري متورط في جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية، ضد الأماكن السكنية باستهداف المدنيين، في أنحاء متفرقة، سيما في المناطق التي فقد السيطرة عليها.
الحقيقة الأخرى أن المجتمع الدولي، مايزال – دولاً وحكومات وهيئات دولية ومنظمات حكومية – ملتزماً جانب الصمت الأقرب إلى ترك الشعب السوري وحيداً، يواجه أعتى الأنظمة الديكتاتورية التي لم تتورع عن استخدام أية أسلحة من أجل إخماد ثورة الحرية والكرامة.
يضاف إلى ذلك تفردّه بكونه أول نظام يستخدم الأسلحة المحظورة دولياً ضد شعبه، نظير مطالبته بالحرية وكسر قيد الاستبداد. 
إن النظام السوري، باستخدامه الأسلحة الكيمياوية، يرتكب جرائم حرب ضد الإنسانية، ممايستوجب إحالة الامر بوصفه قضية جوهرية إلى المحاكم الدولية، وهي تضاف إلى سجله الدامي في الجرائم والمذابح التي ارتكبها حتى اليوم ضد السوريين جميعاً.

17/4/2013

 
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s