قـضـيـة الـفـسـاد في مجال الاغاثة والعمل الإنساني في الثورة السورية

 

 

 

 

غياب التنسيق وفوضى في العمل العمل الإغاثي

عدم وجود هيئة رقابية لضمان وصول الإعانات الى مستحقيها..

تكاثر الجمعيات العاملة في المجال الإغاثي دون تخصص أو خبر

 

اخذت قضية الفساد، تنتشر بصورة سريعة كالنار في الهشيم، وكأن الثورة التي انطلقت  تظل مشدودة الى الوراء، الى امر كان من اسباب الثورة ، وجوهرا حقيقيا طالما شكل البوابة الأوسع ، التى عبر بها نظام الإستبداد المجتمع ، ليستوطن بأثرها مايقارب نصف قرن، حكم السوريين في ظلّها، وعمل بكل جهد لنشرها وتعزيزها وتوطينها. لكننا اليوم، وبعد مرور مايزيد على عامين من انطلاقة الثورة، نجد أن حالة الفساد قد انتشرت في أوساطٍ يُفترض أنها تحاربه في الحدّ الأدنى. وما يجعل منها مؤشراً على الثورة ، أنها تفشت في مجالٍ، غير خاضع للتلاعب والمساومة والنهب، هو مجال الإغاثة الإنسانية،غير أن ذلك جاء مغايراً لكل ماهو مفترضٌ أو بدهيٌّ، فكان هذا القطاع عرضة لكل أشكال الفساد وأنواعه، بل إنه صار عنواناً لظاهرة الفساد في الثورة السورية .

هذا الملف يطرح القضية، ليس في اطار تسليط الأضواء ، على خطورتها التي تتهدد الثورة، فحسب، وليس النيل من جهة داعمة أو متخصصة في العمل الاغاثي ، او اشخاص معنيين بالقضية حتى وإن ارتبطت اسماؤهم بقضايا فساد.وإنما يتلمس أبعادها وتأثيراتها وأسبابها، باسلوب موضوعي ، يستهدف فتح السبل أمام إيجاد حلول للإقلال منها ما أمكن.

 

ملامح عامة

تدفق وفوضى:

شكلت الظروف الإنسانية، الناجمة عن العمليات العسكرية الواسعة التي يشنها نظام الأسد، ضد الشعب السوري،منذ عامين، شكلت كارثة انسانية بكل ماتعنيه هذة العبارة، من معانٍ، فقد  أدى ذلك الى حالة عوز كبيرة فيما يتصل بالغذاء والدواء والايواء، تزدادا اضطرادا مع فقدان الأمان ،  وتزايد حالات النزوح الجماعي القسري، سواء داخل الاحياء والمدن ، او اللجوء الى الدول المجاورة هربا من الموت .

شكلت هذه القضية حالة تدفق كبيرة ، بكل مايترافق معها من فقدان المأوى والأمان، ولم تستطع الجهود الاقليمية والدولية ، مواجهة تحدياتها واحتياجاتها بالسرعة المناسبة وكذلك بتوفير متطلباتها الاساسية .

ليبدأ تدفق مواد الاغاثة والدعم الانساني الموجه للمتضررين في الداخل حيث المعوزين والنازحين ، غضافة الى مخيمات اللجوء. وجاء هذا التدفق في ظل تعدد المصادر، وحكَمَته الفوضى في توجيه قنوات الدعم، وقنوات التوزيع، بشكل كبير.

من هنا نشات إشكاليات كبرى تراكمت، وأنتجت بيئة ملائمة لنمو حالات طفيلية لم تلبث ان اضحت حالة سرطانية يصعب الخلاص منها ، وهي الفساد في العمل الاغاثي والدعم الانساني. لعل من أهم الأسباب سوء الأمانة، وسوء الإدارة، والفردية في العمل ، والتي يتولد عنها تسلط واستبداد، فيما تطرح ” المناطقية ” إشكالية الولاء الوطني في المجتمع السوري.

 

 

التسرب:

يعدُّ تسرّب المواد الإغاثية والدعم الانساني الذي يتدفق في صورة اموال أو مواد عينية، واحدة من المسائل التي ترتكز اليها قضية الفساد وجوهرها . يرى مراقبون أن التسرب ماهو إلا سرقات تطال مايرد الى السوريين . ليس ذلك بعيدا عن واقع الحال ، لكن ثمة اوجه متعددة للتسرب ، ولا شك أخطرها هي السطو عليها بالكامل ، او جزئيا.

يشيرالنشطاء الى ان جزءاً هاماً ونسبياً يتم اقتطاعه من قبل أربع حلقات كمعدل وسطي ، قبل أن تصل مواد الإغاثة الى مستحقيها ،  وهي:

–         دولة العبور، حين تكون المعونات مرسلة عبر العالم .

–         الكتائب والقوى المسلحة التى تؤمّن عبور الشحنات .

–         وسطاء أعمال الاغاثة والدعم الانساني .

–         مؤسسات ولجان وجمعيات الاغاثة في الداخل .

وهذه الاقانيم تأخذ حصصا على اساس توزيعها لمستحقين بمعرفتهم ، إما انهم أعضاء منتمون اليها ” الكتائب – الجمعيات – لجان العمل – .. ” . ولكن معظم هذه الحصص التي تؤخذ بشكل أو بآخر تجد طريقها الى الأسواق أو المخازن والمستودعات التجارية والمنزلية، أو تباع في الاسواق.

مسألة أخرى تضاف الى ماورد اعلاه ، أن كثيرا من مواد الاغاثة، بمرور الوقت ضمن عمليات التخزين والتسريب تنتهي صلاحيتها، وفي احسن الاحوال هناك سوء في التخزين الذي لايتم وفقا لمعايير محددة متعارف عليها دوليا ،  خاصة فيما يتصل بالأغذية، والأدوية. وفي الحالتين، لايتوجب توزيعها، لأنها لم تعد قابلة للإستخدام البشري، ومع ذلك شهدت بعض المناطق توزيع مواد غغاثية منتهية الصلاحية ، أو أنها تفتقد الى معايير الجودة المتعارف عليها.

المناطقية:

تبرز سمة من نوع آخر، هي المناطقية التي تلعب دورا هاما في توجيه قنوات الدعم الاغاثي. في الواقع لا تقتصر المناطقية على مجال الاغاثة، بل ان عامين ونيّف من الثورة السورية، بينت انقسامات أفقية وعمودية في مختلف الاتجاهات والأبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية. وانكفئت الجماعات البشرية السورية الى انتماءاتها المناطقية والعشائرية الضيقة جدا. اضافة الى الانقسام الاجتماعي الحاد المستند الى القيم الدينية والمذهبية التي قادت الى انغلاق مجتمعي واسع.

من هنا اصبحت مواد الإغاثة والمعونات الإنسانية ، توزع وفقاً لمعيار المناطقية. وغالباً ما تخصص بعض الجهات الداعمة وجهة شحنات الدعم الذي تريدها، في الداخل. والأمر في حقيقته ينسحب على كل ماهو إغاثيَ وإنساني. شأنه في ذلك شأن المال والسلاح. وفي ذلك فساد في الإخلال بأحقية وأهمية التوزيع لمن يستحق.

 

الاشكاليات

ثمة جملة من الإشكاليات التي تطال هذا الجانب من العمل الإنساني، والذي يخضع لتيارات واهواء واتجاهات ممختلفة، وفي أحايين تعاني من تضارب السياسات الاقليمية والوطنبة.  و تبدو قضية تسيس مواد الاغاثة والدعم الإنساني، من أشد الإشكاليات التي تلقي بظلالها على العمل الاغاثي والدعم الإنساني ، حيث تقوم مؤسسات وحكومات بتقديم الدعم بناء على مواقف سياسية من هذا الطرف أو ذاك، وينعكس بدوره هذا الأمر على السلوك الذي تنتهجة الجمعيات ومكاتب الاغاثة داخل المدن والاحياء ومواقع الاحداث، والنزوح واللجوء. ومثلما يتم التوزيع وفقاً للمناطق ، فإنه يتم أيضا وفقا للتبعية السياسية من ناحية ، فيما تخضع عمليات الاغاثة من المتبرع أو الداعم الى الموزع، لاعتبارات اللعبة السياسية .

فيما يعتبرغياب التنسيق عاملا أساسيا في انتشار الفساد في هذا القطاع، حيث تعمل كل جهة بمفردها، على أساس  كونها منظومة متكاملة،  سواء من الجهات والهيئات الداعمة أم الموزعة، دولية وإقليمية ووطنية، يضاف الى ذلك تعدد الجهات الداعمة. فيما تلقي انعدام الخبرة في ادارة العمل الاغاثي بثقلها على الإطار العام لهذا القطاع بالغ الأهمية والحيوية.

عدم وجود هيئة رقابية

يشكل هذا الأمر فضاءً رحباً لتكرار حالات الفساد والتسرب، وتواتر التجاوزات في هكذا ملفات، أم عاملين. ويسمح عدم وجود لجان أو هيئات تختص بأعمال الرقابة على انسياب حركة اعمال الإغاثة، من خلال وجود ادارة منظمة وفعالة تسمح بوجود ملفات وسجلات، توثق مدخلات ومخرجات المواد الاغاثية ، وأوجه صرفها. ويؤدي هكذا جهاز الى الإقلال من عمليات الفساد،وبالتالي الحدّ من تفاقمها.كما يحدّ ذلك من التدخلات المختلفة التي تطال اعمال ومواد الإغاثة، وتساهم في إعاقتها من ناحية اولى، وكذلك في إرباك يساعد على الفوضى ومن ثم البيئة الملائمة للفساد.

ان مايعقد الاشكاليات، ويجعل من تناولها متداخلاً مع المصاعب ، أمرين هامين يتمثلان في عدم وجود قاعدة بيانات شاملة لكل مايتصل بقطاع الإغاثة، وبالتالي – ايضا – غياب الدراسات والبحوث الموضوعية والجادة التي تعنىبهذا القطاع. يضاف تزايد إنشاء جميعات الاغاثة بصورة غير مسبوقة، تتكاثر كالفطر، معظم القائمين عليها من غير المختصين ، الذين يفتقدون خبرات العمل الجماعي والإغاثي والتطوعي.

 

الصعوبات

تعتري القطاع جملة من الصعوبات الأساسية، يمكننا الإشارة اليها هنا على أهميتها، على أن يتم دراستها في الجزء اللاحق من الملف، وفي مقدمتها غياب آليات العمل اللوجستي ، التي تجعل من العمل الإغاثي يعاني من ضعف في القدرة على الحركة وتغطية المناطق المنكوبة، أو القيام بعمليات طوارئ للدعم الإنساني.

كما يمثل تدخل الدول الحدودية ، عائقاً أساسياً  أمام  وصول التبرعات القادمة من انحاء العالم المختلفة ، حيث تخضع  للرسوم الجمركية، والى اقتطاع جزء من المواد ” القانون الدولي يجيز لدولة العبور اقتطاع 20% منها ” في الوقت الذي تضع فيه شروطاً صعبة وقاسية على السماح بإدخال مواد معنية. فيما يمثل النقص الحاد والشحّ الكبير في موارد الإغاثة والدعم الانساني، الذي لايفي بالمتطلبات الأساسية، والإحتياجات الكبرى التي انتجتها الأوضاع الإنسانية الصعبة للسوريين ، التي طالتها عمليات الفساد رغم عدم كفايتها.

يضاف الى ذلك دور النظام في خلق أجواء تساعد على تفشي حالات الفساد وتكاثرها  وذلك من خلال قيامه بفرض حصار على العديد من المناطق التي تحتاج الى دعم إنساني شامل ، يقوم على تقطيع أوصال المدن والمناطق ، بهدف منع وصول المساعدات الى مستحقيها، في الوقت الذي تتسبب فيه عملياته العسكرية، بمزيد  من المآسي والكوارث الإنسانية.

كاتب سوري

al.matar60@hotmail.com

نشرت هذه المادة في جريدة رؤيا  – العدد 4 تاريخ 1 مايو 2013

موقع الحوار المتمدن  – الرابط التالي :http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=357928صورة

 


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s