الجماعات المتشددة في المناطق المحررة / الرقة نموذجا

 

يخوض السوريون اليوم صراعاً آخر، في المناطق الغير خاضعة لسيطرة النظام، مع القوى الإسلامية المسلحة، في تطور لافت لمنحى الصراع في سورية منذ 15 مارس 2011. وهو يقوم بين طرفين يلتقيان في الحقيقة عند نقطة إسقاط نظام الطاغية بشار الأسد. فيما تتسع هوة الشقاق بينهما إلى حافة المواجهة، كلما طال أمد الأزمة السورية من ناحية، واستمرار الجماعات الإسلامية المتشددة بالتدخل في إدارة المجتمعات المحلية بالصورة التي تجري عليها اليوم.وفي الوقت ذاته تعيش قوى الحراك الثوري المدني، صراعات فيما بينها، إسلامية ويسارية ومستقلة، حول النفوذ والمصالح، وتشهد تحالفاتٍ في ضوء تشكّل مجتمع سياسي جديد.

* تسلط
مع الأسابيع الأولى، لتحرير الرقة، بدأت ممارسات التسلط وفرض السيطرة بالقوة على مؤسسات المدينة ومواردها الإقتصادية المختلفة من قبل أكبر فصيلين مقاتلين في صفوف المعارضة السورية، هما جبهة النصرة، وأحرار الشام، اللتين تمتلكان مقومات القوة المتمثلة في توفرالسلاح النوعي، التدريب والتنظيم، ومن ثم المال. وعملت كل منها الى الحفاظ على النظام والحيلولة دون فلتان عام وحدوث فوضى، أو الإعتداء على الممتلكات الخاصة وماتبقى من سكان المدينة.

لكن سرعان مابدأت عملية منظمة في السطو على المال العام، وممتلكات النظام، فقد سلبت جميع الأموال المودعة في مصرف سورية المركزي المقدرة بما يزيد على خمسة ملايين دولار بسلة عملات مختلفة مخصصة لرواتب الموظفين وميزانية التشغيل والتسيير على مستوى محافظة الرقة. ثم أخذوا بتفكيك المخابر ومعدات التقنية الحديثة في الكليات الجامعية والمعاهد ومراكز البحوث العلمية والتدريبية. واستباحة بيوت وممتلكات الشخاص والعائلات التي توالي النظام، خاصة من الطائفة العلوية، دون أن يكون هناك أي رادع لها، ما يجعل منها شريكة فيما يحدث، أو متغاضية عنه، ويتم بمعرفتها، تأكد فيما حيازة حركة أحرار الشام على الأموال المنهوبة من البنك المركزي.

التدخل في الإدارة المدنية، بدأ مع إنشاء الهيئة الشرعية التي صادرت القرار ومنعت فيه المجلس المحلي المختب من القيام بمهامه، والذي كان يقوم بدوره سرّاً في ظل وجود نظام الأسد، في الوقت قبلت فيه دخول مجلس المحافظة الذي عينه الإئتلاف. فخلقت بذلك مناخاً للتنازع وضعت ثقلها فيه الى جانب مجلس الإئتلاف، عبر تشكيل هيئة رئاسية ثلاثية تضم الهيئة الشرعية الى جانب المجلسين المحليين. وكان واضحاً أن الهئة الشرعية فرضت شروطها، فاضطر المجلس المحلي لحل نفسه. الأمر الذي عقد إشكالية الإدارة الإنتقالية في المنطقة، في ظل رفض واسع للقوى الاجتماعية والسياسية لفرض مجلس الائتلاف نفسة بدعم الهيئة الشرعية، ونشطت في السعي لإيجاد توافق يتم من خلاله انتخاب مجالس محلية في مدن وبلدات الرقة، وصولاً الى انتخاب شفاف ونزيه لمجلس محافظة الرقة. إلا ان أحرار الشام وجبهة النصرة والألوية والكتائب المنضوية في إطارهما، كانت حجر عثرة معطلة لأي حراك في هذا الإتجاه.

* العمل المدني والأسلمة
تطور الوضع الى مواجهة العمل المدني، ومنع تطوره ووجوده على الإرض، وقد سجلت العديد من حالات الإعتقال لنشطاء العمل المدني نساء ورجالاً، ومنع التظاهر والإجتماع في حالات أخرى، وهناك رفض تام وعلني لقيام المجتمع المحلي بأية أعمال ذات توجه مدني، من قبل قادة وعناصر المجموعات المسلحة هذه.

وقد شكلت الفتوى الشهيرة بتحريم الديمقراطية، وتكفير المؤمنين بها، وإعلان إقامة الحدّ على دعاتها، مرحلة تطور جديدة في هذا الصراع، لم يتوقف عند الإعلان عن ” إمارة الرقة الإسلامية “، ولاحقاً دولة الشام والعراق الإسلامية، وإشكاليات الصراع المتصلة بهذا الأمر، بين الجولاني والبغدادي والظواهري، وانعكاساته الكبيرة والمؤثرة على مختلف الأطراف في الرقة. عبر دخول أبو سعد الحضرمي ” أمير الرقة ” في مجريات الحدث.

لم يعجب الإسلاميين المتشددين، تنامي المجتمع المدني في الرقة الذي تجاوزت عدد جمعياته ومؤسساته وهيئاته الـ 33، من أهمها المجلس المحلي بتل أبيض والمؤسسات المدنية المميزة هناك، إضافة الى حركة حقنا، وإزرع، وجنى، والتجمع المدني لأبناء الرقة، وتنسيقية شباب الرقة، وتجمع شباب الرقة الحر، والتجمع المدني لأحرار الرقة، وائتلاف أبناء الرقة. يضاف إلى ذلك حركة إعلامية وثقافية نشطة من أهمها صدور مجلة ” منازل “.

عمدت جبهة النصرة إلى اعتقال نشطاء من ” إزرع، ومن حركة جنى..” ووضع لوائح بأكثر النشطاء حيوية وحراكاً وفاعلية بمن فيهم رؤساء المجالس المحلية، بهدف التضييق عليهم ومحاصرتهم، لمنع انتشار أنشطتهم وأفكارهم، وتشمل الإجراءات السرية الإختطاف والإعتقال والتصفية، وتضم القوائم – حسب معلوماتٍ – قرابة 300 اسم من الداخل والخارج، وشكلت تهديدا جدياً على الحقوق والحريات، وعلى سير الحياة العامة، كان آخرها التدخل في المؤسسات التعليمية، حين قامت بفرض فصل الجنسين في المعاهد المتوسطة قبل أيام.

* غياب الحاضنة الإجتماعية 
الرقة، كغالبية السوريين هم مجتمع معتدل، لايميلون إلى التطرف، ولن تستطيع بشاعة الإجرام والقتل والتدمير في دفعهم للقبول به. وقد واجهت الجماعات المتشددة، حركة مدنية واسعة رافضة لسياساتها وممارساتها المتمثلة في التسلط والاستبداد وقمع العمل المدني، إضافة إلى علاقتها التي اتضحت فيما بعد ببعض حالات السطو والإختطاف. والحقيقة أنها خسرت المجتمعات المحلية، ولم تستطع إقناعها بأن تكون حاضنة إجتماعية لها أو لمثيلاتها، في الوقت الذي تخوض فيه كتائب الفاروق صراع إلغاء بحق جبهة النصرة الذي يتضاءل نفوذها لصالح أحرار الشام، كما أشيع عن اتفاق غير معلن بهذا الأمر مع واشنطن! عدة مظاهرات كبيرة خرجت في الرقة، احتجاجاً على ماتقوم به ” النصرة وأحرار الشام “.

* وثمة مطالب جوهرية تتمثل في أمرين:
– الكف عن التدخل في شؤون الإدارة المدنية، والعمل المدني، وتحديد دور الهيئة الشرعية، بالقضايا المتصلة بالدين الإسلامي حصراً، و وضع أمور القضاء، للجنة مستقلة من القضاة.
– إنهاء المظاهر المسلحة، وخروج الألوية والكتائب من المناطق والأحياء السكنية، داخل المدينة والبلدات، وتجنيب المدينة مزيداً من القصف والقتل والتدمير اليومي الذي يتعرض له المدنيون.
إن حركة الشباب المدني، على الرغم من حالة التهديد والاستفزاز المسلح والسيطرة على المقدرات الإقتصادية والمعيشية في الرقة، قرروا عدم التراجع عن مطالبهم، وهم ماضون قدماً في العمل من اجل بناء سورية المدنية الديمقراطية، في ظل مشاركة كافة المكونات السياسية والإجتماعية دون إقصاء،

 

——————————-

نشر في أورينت نت – الرابط

http://orient-news.net/?page=news_show&id=4228

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s