الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية : تحديات وإشكاليات..!

لم يكد الإئتلاف الوطني ، ينهي اجتماعات دورته السابعة عشرة، والتي ترافقت – لسوء الطالع – مع تعيين قيادة قطرية جديدة، حتى طغت عليها أخبار اكتساح الجماعات المسلحة التابعة لما يسمى بدولة العراق والشام الإسلامية، لمناطق في حلب، واعتقالات لأعضاء المجلس المحلي بتل أبيض، إضافة إلى تطورات أمنية في الرقة، وغيرها من المناطق الغير خاضعة لسيطرة النظام، لتدق ناقوس الخطر حيال الدور المفقود للإئتلاف في هذه المناطق، مايدعوا لمراجعة جادة لمهامه، في ضوء التحديات الداخلية الأهم، التي يفترض أن يتحمل أعباءها خدمة للمواطنين.
جاء انتخاب هيئة رئاسة جديدة، بعد خلافات لايزال بعضها قائم منذ تأسيس الإئتلاف خريف العام 2012 في الدوحة، إثر استقالة الشيخ معاذ الخطيب من رئاسة الإئتلاف في ظل تصارع قوى وتيارات المعارضة السياسية السورية حول جملة من القضايا المتصلة بالتمثيل وتوسيع العضوية، وتولي المراكز القيادية في الإئتلاف، إضافة الى مسأله الحكومة المؤقتة وما أثارته قضية اختيار غسان هيتو رئيساً لها، من تجاذبات وخلافات واسعة جداً، عطلت عمل الإئتلاف والحكومة المؤقتة لشهور.
يضاف الى ذلك تدخلات اقليمية ودولية كبيرة، وعلى مختلف المستويات، ما يقود للتساؤل عما إذا كانت المعارضة السورية تمتلك قرارها الوطني، ومدى فاعليتها ومقدرتها على النهوض بمهامها، في تمكين الحراك الوطني من تحقيق أهداف الثورة وغاياتها المتمثلة بإسقاط النظام وبناء الدولة الديمقراطية المستقلة التي تقوم على أسس الحرية والعدل والمساواة بين جميع المواطنين.

هيئة جديدة – قديمة
أسفرت مشاورات كواليس الشهرين الأخيرين عن انتخاب بالغ الصعوبة لهيئة الرئاسة بأغلبية بسيطة في الأصوات بعد إعادة الإنتخاب في اليوم التالي للتصويت الأول، احتل فيه أحمد عوينان العاصي (الجربا) موقع رئيس الإئتلاف، وكلاً من سهير الأتاسي، فاروق طيفور، سالم المسلط، نواباً للرئيس، فيما آل منصب الأمين العام للدكتور بدرجاموس.
وقد اتسمت فترة التصويت مع تصاعد حدذة الخلافات والتجاذبات السياسية، بين المتنافسين على موقع الرئيس، والكتل والتجمعات الداعمة لكل منهم داخل الإئتلاف. فيما ترافق ذلك مع ضغوطات سياسية ومالية واسعة، للحصول على أصوات الناخبين، والتاثير على أعضاء الإئتلاف، بما يخدم توجهات اقليمية و دولية كما يرى ذلك البعض، بين مرشح للسعودية، هو في الحقيقة مرشح قوى اليسار والديمقراطية في الإئتلاف أحمد العاصي، وبين مرشح قطر ممثلاً اليمين – الاخوان المسلمين.
من هنا كانت عملية التصويت صعبة، وما تمّ تداوله عن محاولة شراء البعض الأصوات، كان مكشوفاً ومشار إليه بالبنان. وجرت محاولة اخرى لإعادة عملية التصويت، غير انها لم تنجح، فيما بدا واضحاً، ان التأجيل، سيلحق ضرراً كبيراً، يفقد الائتلاف ماتبقى له من رصيد في الداخل. كان الهدف من ذلك، كسب جولة أخرى من تسويق أحد المرشحين على حساب الاخر، دونما عناية بالمسالة الديمقراطية التي يتوجب ان تسود العملية بوصفها : اختياراً او انتخاباً.
الجديد في الهيئة انها ضمّت طيفور، وجاموس، وأبقت الأتاسي ومسلط. وبذلك انحسر تمثيل الأخوان، بصورة شديدة، فيما استطاعت القوى الديمقراطية مركزة قرار الهيئة في يدها، إلى حدّ ما.
تحالفات وتكتلات
اتسمت هذه الدورة، بدور بارز للكتل السياسية التي تبلور نشاطها داخل الإئتلاف، وشدت ميلاد تكتل جديد هو كتلة قرار المستقبل الذي ضم 30 عضواً ويتزعمه مصطفى الصباغ، أحد أبرز مرشحي رئاسة الإئتلاف، الذي بذل جهودا كبيرة للوصول الى طموحه، وأعلن عن التكتل إثر اعتماد نتائج التصويت الثاني والأخيرلهيئة الرئاسة.
وهذا التكل هدد في اول ممارسة لدوره بالإنسحاب من الإئتلاف إذا تمّ سحب الثقة من غسان هيتو مرشح الأخوان المكلف تشكل حكومة مؤقتة. قدم هيتو استقالته، فيما تمسكت الكتلة بمقاعدها.
في الوقت ذاته برز ثقل كبير للتيار الديمقراطي في مواجهة المجموعات الاخرى، وظهرت تجلياته في المناقشات العامة التي فرضتها أجواء الإ جتماعات، وخاصة في اللجنة السياسية التي أعيد تشكيلها، تلبية لمتطلبات المرحلة المقبلة، ونعني به ” جنيف 2″. فيما ظلت اللجان والإدارات والهيئات الأخرى بعيدة عن إعادة تشكيل، ما يعكس رؤية عدم تفجير المواقف والمصالح المتشابكة والمتداخلة داخل الإئتلاف. وكان حرياً بالتوسعة أن تقود إلى إعادة تشكيل جميع المكاتب، لخلق التوازن في العمل العام ودفعاً به نحو أداء مفيد وفعّال.
في الواقع، لم تعكس نتائج الإجتماعات، سوى صوراً باهتة للتدخلات الخارجية، التي تبادلت الإتهام بها جميع الأطراف، في المعارك المتوالية داخل الإئتلاف ليس نتيجة استقالة الخطيب، بل منذ انشاء الإئتلاف على أنقاض المجلس الوطني الذي دفن حيّاً، بعد أن حفر قبره بيديه.
أولويات وتحديات
هل يؤشر انتخاب أحمد عوينان العاصي، الى تعزيز المواجهة المسلحة، أم الجنوح نحو التسوية؟ سؤال أكثر من هام وشائك يطرح نفسه، في خضم اختلاط كل شئ في مسار الثورة السورية. مايعرف عن العاصي تجربته المميزة في امداد الثورة بالسلاح حين كان مشرفاً على ملف التسليح. ويرى مراقيون أن المشكلات لم تكن بالحجم الذي آلت إليه مسألة التسليح التى تطورت كمّاً وكيفاً. واليوم في ظل الإتجاه الدولي – الغير واضح حتى الآن – بدعم تسليح المعارضة، وهو توجه عنيّت به المملكة العربية السعودية، طوال الفترة الماضية. وإذا اخذنا في الإعتبار، جملة المعطيات هذه، وما يتمتع به العاصي من علاقات مميزة مع السعودية وغيرها، فإن إمكانية التلكؤ الدولي والمخاوف المترافقة معه والمعلن عنها مراراً، قد تتراجع قليلاً لصالح تقديم الدعم وتعزيز الثقة عبر العاصي.
ثمة تحديان أساسيان اليوم، يتمثل الأول في الفوضى الشاملة التي تحياها المعارضة السورية، جراء عدم القدرة على ضبط انتشار الكتائب والجماعات المسلحة الغير خاضعة للجيش الحر، والتي أصبحت مسلكياتها وأنشطتها ومصادر تسليحها وتمويلها مصدر قلق وتساؤل كبير.
التحدي الثاني يكمن في الكتلة الديمقراطية الجديدة، داخل الإئتلاف، والتي لاتزال مؤمنة بأن سلمية الثورة هي الأساس، وان الغلبة لن تكون إلاّ بعودتهانن في ظل الأخطاء والمخاطر والمشكلات الكبرى التي تلّم بمسار الثورة اليوم. من شان هذا التفكير أن يقود في الحقيقة إلى مسار إما شائكٍ أو ضبابي في حراك الثورةن في الحالتين هو تعطيل لأفق المشاركة الفاعلة المرجوة من مؤسسات المعارضة وفي مقدمتها الإئتلاف، في العمل الثوري انطلاقاً من الداخل، ووفقاً لضروراته ومعطياته.
استراتيجيات
غياب استراتيجيات عمل الإئتلاف في المرحلة المقبلة – حتى الآن – غير واضحة، على الرغم من انعقاد اللجنة السياسية، التي لم ينتج اجتماعها سوى مزيد من الخلافات.
يعتقد الكثيرون بمن فيهم أعضاء فاعلين في الإئتلاف، أن المرحلة الجديدة ستكون فارقة في مسار المعارضة السورية، بكل الأحوال نظراً للتطورات الكبيرة في الأزمة السورية، من حيث محدودية النجاحات العسكرية التي يحرزها الثوار على الأرض، في الوقت الذي يحقق فيه النظام تقدماص ملموساً في عدة مناطق، مثل استعادة السيطرة على حيّ الخالدية في حمص التي يواصل حصارها وقصفها، ومن قبل تلكلخ والقصير، فيما استطاع تحريك أدواته في الشمال، حيث يرتكب حزب الـpyd جرائم بشعة بحق الأكراد، مثال عامودا، إضافة لدوره في ممارسة التخريب وإثارة المشكلات الدامية في اكثر من مرة وأكثر من مكان ” عفرين – رأس العين “. فيما تشدد مايسمى دولة الشام والعراق نشاطها في المناطق المحررة.
لذلك، فإن الإئتلاف ستكون أمامه مهمتان أساسيتان تتمثلان في إنجاز ملفين هما:
– تشكيل حكومة مؤقتة.
– التحضير للمشاركة في جنيف2 التوصل إلى تسوية سياسية.
والواقع، أنه في غياب أي استراتيجيات عمل للمرحلة المقبلة، يبدو هذين الملفين، هما الأكثر ترجيحاً في التداول، فيما بين أعضاء الإئتلاف والقوى الإقليمية المؤثرة فيه. خاصة بعد دفع غسان هيتو لتقديم استقالته عشية انتخاب رئيس جديد للإئتلاف، على خلفية المشكلات التي أثارها تكليف هيتو، في إطار من الصراعات والتوازنات المتعددة، كان أحمد العاصي أحد أطرافها حين جمّد عضويته رفضاً لتكليف هيتو بتشكيل حكومة مؤقتة لم يقيض لها أن ترى النور لعدة أشهر من النزاعات والتجاذبات.
تشكيل حكومة، يبدو أنه يسير في اتجاه توليها عملية التفاوض في المرحلة المقبلة، كخطوة لاحقة لجنيف 2. وسيكون ذلك أحد اهم أولوياتها السياسية، او المهام التي ستقع على عاتقها. ومن هنا نجد أن تيارات في المعارضة تريد لهذه الحكومة أن تكون ” وطنية ” كمقدمة لتوليها مهام ” انتقالية ” وفقاً لبنود جنيف الستة.
إلى ذلك، تبدو قضايا ومشكلات الداخل السوري، وهمومه، غير واضحة في أجندة الإئتلاف، وما إذا كان سيتوجه الى الداخل للإنطلاق منه، وبه لمواجهة استحقاقات المرحلة الجديدة.
المستقبل
قد لايستطيع الإئتلاف الخروج سريعاً من مشكلاته، التي تراكمت بفعل الأداء السلبي، وغياب الرؤى والاستراتيجيات، إضافة لما يثيره الشارع السوري من مسائل متصلة بالإسراف والفساد الإداري والمالي، وضعف ملحوظ في الأداء الإعلامي الذي أثرّ سلباً في سمعة الإئتلاف، ولم يتمكن من تسويقه لدى السوريين، أو المجتمع الدولي.
يحتاج الإئتلاف اليوم في ظل التوازن الذي تحقق نسبياً، معالجة الخلل البنيوي، الذي أدى لعجزه عن أداء مهامه والاتجاه بكليته للداخل، والعمل على تحسس مشكلاته الأساسية والعمل على حلها. أن يكون له قدرة وسلطة إدارة المناطق الغير خاضعة للنظام، في ظل ماتعيشه من فوضى أقل مايمكن أن يقال فيه أنه ناجم عن عجز الإئتلاف، وهشاشة دوره ومكانته في الداخل. في الواقع، تبدو قضايا ومشكلات الداخل السوري، وهمومه، غير واضحة في أجندته، وما إذا كان سيتوجه الى الداخل للإنطلاق منه، وبه، لمواجهة استحقاقات المرحلة الجديدة.
إن المستقبل يتطلب عملاً سياسياً فعالاً، وما لمسه السوريين خلال الفترة الماضية من عمر الإئتلاف والمجلس الوطني، هو غياب الرؤية السياسية، وكذلك المقدرة على القيام بالعمل السياسي كما يتوجب، فالمرحلة القادمة تتطلب ذلك، والحراك الوطني سيظل يتيماً بلا رافعة سياسية قادرة على الفعل والتأثير، والإنجاز الوطني.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s