أوباما وسياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط

 

 

يثير موقف الإدارة الأميركية الكثير من التحفظات والمآخذ، لجهة دعم الثورة السورية، لدى قطاعات واسعة، في أوساط السوريين، وتتقاطع مع وجهة نظر الجمهوريين الأميركيين، التي ترى في أداء إدارة باراك أوباما والحزب الديمقراطي أداءً ضعيفاً، غير معهود في تاريخ الولايات المتحدة، وأن ذلك الضعف سيقود إلى الاهتزاز في مكانة الولايات المتحدة ودورها ومسؤولياتها في العمل الدولي.

وثمة من يعتقد بأن غموضاً  يكتنف موقف أوباما، وسياسة إدارته الحالية، ولكن اعتقادي بأن الولايات المتحدة اليوم، تدخل مرحلة شديدة من الوضوح فيما يتصل بالسياسة الخارجية وسط بصورة خاصة. وتبدو الانتقادات الحادة التي توّجه إليه، تستند إلى تاريخ أميركي حافل بممارسة الشدّة واللجوء إلى الخيار العسكري، كعامل حاسم لحالات ظرفية في إشكاليات معقدة، لا تقود إلى حلّ جذري، بل تبقي جوهر الإشكالية قائماً، مضافاً إليه نتائج تدخلاتها السياسية والأمنية والعسكرية، فتظل متفاعلة مفتوحة على كل الاحتمالات. وثمة ما نلحظه في حقيقة ونتائج التدخل الأميركي في العراق وليبيا.

لكل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، رؤيته في معالجة الأزمات الدولية. يأخذ الجمهوريون بخيارات استخدام القوة، أياً تكن صورتها، بالتوازي مع العملية السياسية، ويقدم الحلّ بفرض القوة على الوسائل الدبلوماسية. أما الديمقراطيون، فإنهم يرون في استخدام القوة، ضرورة للحلّ في حال استنفاذ الوسائل السياسية والتفاوض الدبلوماسي، الذي يرون في الإنحياز إليه أهمية أساسية في معالجة القضايا الدولية.

لكن إدارة الرئيس باراك أوباما تأخذ نهجاً مختلفاً اليوم في التعاطي مع الشؤون العالمية، منذ الولاية الثانية، والتي تتضح  ملامحها اليوم أكثر، مع خطابه حالة الأخير، الذي وضع فيه نقاطاً على الحروف، في جملة من المسائل المتصلة بالرؤية الاستراتيجية التي تقوم على ابتعاد إدارته عن تجاوزات الإدارات السابقة، من دون أن تتراجع أميركا عن دورها القيادي في العالم. ولكنه في العمق يؤسس رؤيته في التوازن والإحتواء. ويضيف الى ذلك فهماً للعمل الدولي بأن يكون مشتركاً ” يبقى أفضل من التصرفات الأحادية “.

يمكننا تلمّس ذلك وملاحظته، في أداء البيت الأبيض تجاه الأوضاع في الشرق الأوسط، وقضاياه بالغة التعقيد. في مقدمها العلاقة التي يعيد نسج أطرها وملامحها مع القوتين الإقليميتين الأساسيتين في المنطقة، وهما السعودية وإيران، بما لهما من تأثير ودور محوري، في واقع ومستقبل المنطقة وعلاقاتهما بالتجاذبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالطبع الدينية.

الواقع أن واشنطن تتأسس سياساتها حول القضايا الجوهرية، كالنووي الإيراني، كمثال دقيق وقائم، على أن إقامة علاقة لا تصادمية، مع حكام طهران، تفتح الأبواب أمام امتصاص الإحتقان في العلاقات الإقليمية بين دول المنطقة من جهة، ومع الولايات المتحدة  من جهة ثانية، بما يخدم المصالح الأميركية المتمثلة في مسألتين أساسيتين هما استمرار تدفق النفط، ومحاربة الإرهاب في المنطقة والعالم.

يمكّن ذلك واشنطن من احتواء الطموح النووي الإيراني على مراحل، ومفاوضات طويلة الأمد. تهدف الرؤية إلى خلق بذور الثقة بين قوتين، كل منهما ترى في الآخر شيطاناً ” للشر والإرهاب “. قد يقود ذلك إلى فهم متوازن لمتطلبات الأطراف ومواقفها ومصالحها الإقليمية والدولية، وبالتالي يمكننا فهم التوجهات الأخيرة لفتح قنوات اتصال أكثر تعدداً، وأكثر توازناً مع قوى المنطقة، وخاصة اليوم مايتصل بالأمن الإقليمي لدول الخليج العربية، والمسألة السورية، وسياسة إيران في بسط الهيمنة الصفوية / المذهبية على إقليم شرق المتوسط باتجاه أفغانستان، احياءً للروح الفارسية.

وحين يريد أوباما لسياستـه أن تكون نهجاً وسطياً، لا انعزالياً أو استباقيا، في تعاملها مع مشاكل العالم، فإنه يكون اكثر وضوحاً بالقدر الذي لانزال فيه، نشيح بأعيننا عن الصورة الحقيقة لهذا الجوهر، ونبقى معلّقون بسراب انحياز أميركي فاعل الى جانب الثورة السورية. فقد كانت الاشارة بإمكانية استمرار دعم ” القوى المعتدلة ” في المعارضة ، ليس دعماً للثورة السورية بالضرورة. بل إن تقديم دعم عسكري محدود يرفع من قدرة المعارضة على التفاوض مع النظام غير ممكنه، كون المسالة تتعارض مع دعوة أوباما الى عدم الاعتماد على القوة العسكرية في الشؤون الدولية.

الادارة الأميركية تتبنى رؤية تتصل باستحالة الحلّ عبر الوسائل العسكرية في سورية، وبالتالي إن خيار التسوية هو ما يتم التوجه عملياً إليه، وواشنطن تسعى في هذا الإطار عبر العمل على إعادة النقاش بين الأطراف الإقليمية حول المسالة السورية، بمشاركة إيرانية. هذه المسألة تقود الى تعزيز القناعة بان واشنطن لاترى مصلحة بإزاحة نظام الأسد، فالمعارضة أوهن ممايمكن الإعتماد أو المراهنة عليه.

ويبدو القول ” إن السياسة الأمريكية لوقف التدهور في سورية تنسجم مع مصالح الولايات المتحدة ” هو تعويم للموقف المتصل بإبقاء الوضع في سوريا على ماهو عليه، في ظل عاملين أساسيين، هو تمرير الاتصال الأميركي مع النظام عبر مؤسسات المجتمع الدولي ، بإرغامه على استمرار الإيفاء بالتزاماته بشأن السلاح الكيمياوي، مع إعادة جزئية لفتح قنوات التعاون الأمني الذي توقف مع انطلاقة الانتفاضة السورية. في الوقت الذي تحاول فيه استثمار اعتدال القوى المعارضة، في تدعيم مصالحها، والإيحاء للرأي العام السوري، بدعم قائم أو منتظر للثورة السورية، دون أن تكون هناك أية اجراءات قانونية يمكن للولايات المتحدة أن تقوم به للتضييق على نظام الأسد، في الوقت الذي فوضت فيه واشنطن موسكو بإيجاد الحل في سوريا، والتي بدورها  – مع اشتعال الأزمة الأوكرانية – أطلقت  يد إيران في سوريا، دون أن تنشغل عنها، لنقف اليوم أمام عجز شامل عن إيقاف القتل مع تقدم النظام في استراتيجته في فرض قوة التدمير وحرق البلد من اجل أن يبقي سيادة نظام الأسد عبر انتخابات الدم.

سياسة أوباما لمن أراد أن يقرأها  ويفهمها بعمق، واضحة تماماً. نحن نعيش الوهم، ونسعى خلف سراب..المصالح هي التي تحكم علاقات عالم ومجتمعات اليوم..ودائماً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s