الرقة على أعتاب كارثة إنسانية

 

 تبدو الرقة في خضم الاحداث الراهنة في حياة السوريين، ماضية الى هاوية مأساة إنسانية كبيرة، لن يفيد الحديث فيها لاحقاً عن إمكانية التدارك أو محاولة انتشال أهلها مما آلت إليه حالهم ومعيشتهم اليومية الصعبة، في ظل انشغالٍ عام عنها منذ مارس 2013،أي مرحلة ماتسمى تجاوزاً في الواقع : ” التحرير ” . فيما يشبه إهمالاً من قوى  ومؤسسات الثورة، لايمكن وصفه بأقل من ” الإهمال المتعمد ” نظراً لاستمراره مايزيد على عام كامل، على الرغم من الحديث عنه والإشارة إليه بكل وضوح وصراحة وعلانية، عبر كافة السبل الممكنة، ولدى كل الجهات المعنية والمختصة، فلم يلق الأمر سوى استجابة في الحدود الدنيا، التي لاتعني شيئاً، ولاتحل إشكالية ظلت قائمة ومتوالدة.

يمكننا تشخيص الوضع بتدني مستويات الدعم التي تقدم الى محافظة الرقة، في ظل عدّة عوامل أساسية من اهمها نفاذ المخزونات الغذائية والدوائية منذ عدة اشهر، وعدم وجود أية بدائل لتغطية النقص المتزايد والذي تتصاعد حدته مع نضوب الكميات الخاصة، وارتفاع الاسعار، والتلاعب بها  من قبل تجار الحروب. ويضاف الى ذلك إيقاف الرواتب الذي كانت حكومة النظام تقدمه للعاملين في الدولة  عن طريق دير الزور, والحصار المفروض على المدينة وأريافها بشكل خاص. وأخيراً سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق  والشام ” داعش ” على مقدرات الرقة، بعد أن أتمت حركة احرار الشام وحلفائها عمليات نهب اموال الرقة مخازنها  ومرافقها الإنتاجية والخدمية.

ومن الطبيعي ان تؤدي عمليات النزوح والفرار الجماعي، الى توقف دورات الإنتاج الزراعي والصناعات التحويلية البسيطة والفردية التي كانت قائمة بسبب انعدام المواد الأولية، وبالطبع غياب اي أمل حتى الآن في الحصول  على الدعم، الذي توقف كليّاً – على الرغم من شحته – مع الاحتلال الداعشي للرقة.

لقد أدت عمليات استهداف النظام للمواقع الحيوية، بصورة ممنهجة منظمة، كالمشافي  ومحطات ضخ المياه، وجسر الرقة القديم، ومحطات توليد الكهرباء، والمناطق السكانية المدنية ” الغير مسلحة “، ليس الى تعطيل هذه المصالح، التي توقفت خدماتها مع مرور الوقت بسبب سيطرة الجماعات المسلحة التي لاتمتلك اية خبرة في الادارة، فحسب..بل وإلى عملية نزوح لم تشهد لها الرقة مثيلاً في تاريخها، وتمركز السوريون من ابناء الرقة ،ومن كان نازحاً اليها من مناطق أخرى، الى الريفين الشمالي والشرقي للرقة، ومن ثم لاحقاً تطورت الى موجة لجوء عام الى مدن الشريط الحدودي التركيةن وخاصة ” آقجه قلعة وشانلي أورفا وغازي عينتاب”. وقد وصلت فيها أوضاعهم وأحوالحم المعيشية الى حدّ يصبح  السكوت عنه جريمة إنسانية، وفقاً للتصنيفات والمعايير الدولية.

تتحمل عدّة جهات مسؤليات مايحدث في الرقة ولأهلها، في الداخل وأماكن اللجوء، إضافة للنظام السوري كونه المتسبب الرئيس، وهي:

1-تنظيم الاحتلال الداعشي، الذي ينتهج سياسة البطش  والترهيب والتجويع، بهدف استمالة الأهالي وفرض مبايعتهم للإمارة المستبدة، بعد أن افرغتها من مختلف النشظاء من ذوي الخبرات المتخصصة، إما باختطافهم او تصيفيتهم أو ملاحقتهم. وتقوم بالسيطرة على كافة مجالات الحياة العامة وتفرض شروطاً على أوجه النشاط الاجتماعي والتجاري، إضافة لحرمان السوريين من حقوقهم السياسية والمدنية والاجتماعية الأساسية والمكتسبة، وفرض اجراءات ” أفغنة ” قمعية استبدادية تحت ستار الدين الإسلامي.

2-هيئات ومنظمات الدعم، والتي يسجل عليها التقاعس عن تقديم كل انواع الدعم للرقة، منذ بدء حركة النزوح الجماعي الأولى اليها، من المناطق السورية المختلفة، وخاصة دير الزور  وحمص ومن ثم حلب، الذين وصل تعدادهم أواخر 2012 الى مايقارب المليونين، وتكفلت عائلات الرقة بدعم استضافتهم كواجب انسانسي واجتماعي، فيما حدثت حالات تسرب للدعم المالي والمادي، الى غير وجهتها الحقيقية، لأسباب تتصل بالفساد وتسلط الجماعات المسلحة. ثم أخذ الدعم بالتضاؤل الى ماوصلتإليه الأمور بالإنقطاع في ظل وجود داعش، يضاف الى ذلك توقف المنظمات والمؤسسات المانحة، عن تقديم الدعم لمشروعات التخديم الأساسية في المنطقة، التي شهدت نهضة هامة خاصة في منطقة تل أبيض.

 

 

3-مؤسسات المعارضة السورية:

 أ-الائتلاف الوطني بدوره أدار ظهره كليّة للرقة، ولم يعر أوضاعها والأحداث التي انزلقت إليها بأي اهتمام. ولم يستطع ملء الفراغ السياسي والأمني الذي احدثه ” خروج ” النظام من الرقة، في عملية يتضح اليوم أبعادها مع تسلط قوى الظلامية. وأقل مايمكن أن يوصف به موقف الإئتلاف بأنه قد تسبب فعليّاً فيما آلت إليه أوضاع الرقة، من اختطافها بيد أحرار الشام وجبهة النصرة وصولاً الى داعش.

كما يتحمل الائتلاف إجهاض حركة المجتمع المدني النشطة التي تمكنت من انتخاب مجلس محلّي، كان يقوم بمهام فعّالة سرّاً، أعلن عن مواصلة مهامه فور خروج النظام. لكن الإئتلاف تمسك بمجلس الرقة المعيّن في اسطنبول، وكان يمكن لهذه التجربة التي نشأت في مديني الرقة وتل ابيض، أن تشكلان نموذجاً للإدارة المحلية الانتقالية، فحدث أول تمّاس حقيقي على الأرض، ماتزال تداعياته قائمة حتى اليوم.

ويزيد من سوء ذلك ضعف الأداء، أو حتى انعدامه من قبل ممثلي الرقة في الإئتلاف الوطني، وهم في الحقيقة معيّنون، وليسوا مختارين من قبل أهل الرقة. وقد كان لإهمالهم شؤون محافظتهم السبب الأساسي لأهمال مؤسسات المعارضة وقوى الثورة للرقة ومايحدث فيها  ولها..وصولاً الى لعبة المجالس المحلية التي بدأت بملاحقة نشطاء الرقة واعتقالهم واختطافهم، ومن ثم تعيين مجالس محلية من أشخاص اختارت داعش تعيينهم.

وقد لقي ذلك دعماً من بعض أعضاء الإئتلاف الذين شاركوا في منحها الشرعية والمال، ما يقود للتساؤل عما إذا كان الإئتلاف الوطني يدعم داعش بالمال الذي منح للرقة في ظلها مرتين بمجموع يصل الى مليون دولار. والواقع ان الحجة التي سيقت ” بالضرورة من اجل حياة الناس ” هي خديعة أخرى للتمويه على تشابكات وعلاقات مشبوهة تتصل بالعلاقة مع داعش، وبالتالي النظام الذي تركها تديرشؤونه هناك.

وفي كل الأحوال، فإن تلك الحالة تستوجب مساءلة جادة لممثلي الرقة في الإئتلاف الوطني، بصورة خاصة، مع غياب شبه كلّي لخدمات الاتصالات والكهرباء، ونقص حاد في الغذاء والدواء.

ب-الحكومة المؤقتة، وقد تجاوز عمرها اربعة أشهر، فقد وضعت خططاً وبرامج لإعادة تخديم كثير من المناظق المحررة، ودعم عدد من المشروعات ذات الطابع الإنمائي، وحتى الآن تبدو الرقة مغيبة بذلك، فتحرم الرقة في عهد النظام وحكومة الثورةن ودولة داعش، في الوقت الذي كانت فيه عاصمة مزدهرة للدولتين الأموية ” هشام بن عبدالملك ” والعباسية ” هارون الرشيد.

وتبدو حكومة طعمة حتى اليوم، في وارد عدم الإستجابة للنداءات المتكررة التي توّجه إليها بسرعة التدخل، ويمكننا أن نضيف الى ذلك حرمان كوادرالرقة من أي موقع وزاري أو تنفيذي عالٍ.

ج-الأركان ومن في حكمها، والتي لم تدعم القوى الوطنية المسلحة في الرقة، بما يكفل المساهمة فعلياً في طرد داعش، على غرار ماقامت به في ريف حلب وريف ادلب. بل إن الجبهة الإسلامية توقفت من ملاحقة  داعش عند “مسكنة”، اي الحدود الإدارية لمحافظة الرقة، ممى مكّن داعش من تعزيز سيطرتها وبالتالي من بناء دولتها الظلامية في الرقة.

4-قوى الحراك الوطني في الرقة، لأنها ماتزال غارقة  في التجاذبات الحزبية والعشائرية، والولاءات المتعددةن والتي ثبت  مع عامين على تجربة الرقة، أنها ليست في صالح نشوءحركة مجتمع مدني فعّالة تقوم على بناء مجالس منتخبة من المجتمعات المحلية.

وتبين لاحقاً ان بعضاً من هذه القوى لم تر مانعاً من دعم القوى الاسلامية المسلحة، أو ان تحظى بدعم منها، دون الإشارة الى مواطن الخلل  والأخطاء المتراكمة, حتى تمكنت القوى الظلامية من تفتيت العمل المدني ومن ثم تحريمه.

واليوم ماتزال قوى الرقة بحاجة نبذ الخلافات الثانوية، الى الحوار والتفاهم، حول العمل الوطني، الى ماهو ممكن التوافق عليه ..الى ماهو يجمعها للتغلب على مايفرقها، عبر حل العقد واحدة غثر اخرى، بمافي ذلك هيئة العمل الوطني كمشروع ايجابي وممكن وفعّال، وفرض الاختيار الحقيقي لممثلي الرقة في مؤسسات المعارضة، مع التنّبه التام لما يحاك بالتعاون مع الظلاميين الدواعش ضد الرقة  واهلها.

يمتلك أبناء الرقة القدرات والمهارات المعرفية، التي تمكنهم من ادارة مصالحهم أذا ماتوفر لهم الدعم اللازم، وكفّت اأطراف المصالح الذاتية الضيقة عن التدخل المَرَضي، وغلّبت المصلحة العامة..ولهذا الحديث بقية .

_________________________

نشرت  في

موقع الرائد نيوز

http://alraednews.com/?module=m_articles&id=9957

موقع الحوار المتمدن

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=409815

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s