العدالة الغائبة وتسوية الخراب

 

           ما لاشك فيه أن التسوية السياسية، عبر الحوار المباشر مع نظام الأسد، لم ينقطع العمل من أجل تأمين فرص الإقرار بها، في ظل استنهاض قناعات قديمة متجددة، بأنه لايمكن حل المعضلة السورية الكبرى، إلا عبر حوار تفاوضي مباشر مع النظام، بغية ايقاف الدم بدءاً ومن ثم التوصل إلى اتفاق تسوية سياسية، لا أفق منظور في المستقبل القريب لها، في ظل معطيات الواقع السياسي والعملياتي على الأرض.

أهم تلك المعطيات هو فشل المجتمع الدولي مرّة أخرى جديدة، في اتخاذ قرار دولي رادع يرغم نظام طاغية دمشق على التوقف الفوري عن العمليات الأمنية والعسكرية، وارتكاب المجازر اليومية. تمثل ذلك في إفشال حق النقض الروسي – الصيني لمشروع القرار الفرنسي – البلجيكي، بشأن إحالة جرائم الحرب في سورية الى محكمة الجنايات الدولية، وعدم تمكن قرابة نصف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (61) المؤيدة لهذا القرار من تمريره بأية صورة ممكنة.

يعكس ذلك غياب الفاعلية الدولية في اتجاهين، هما: هشاشة المنظمة الدولية عن القيام بواجباتها، تجاه القضايا الإنسانية الكبرى، في ظل ازدواجية المعايير والكيل بأكثر من مكيال. ومن جهة أخرى تبدي مدى سيطرة الدول الخمس، التي تسيطر على صناعة القرار الدولي في مجلس الأمن، بتمرير ما يتم التوافق عليه من تلك الأطراف، تبعاً لمصالحها الاستراتيجية.

لم يكن تصريح نائب وزير الخارجية الروسي الثلاثاء الماضي،  مجرد عبث حين أعلن موقف بلاده الصريح بأن مشروع القرار، سيواجه بالنقض، ومع ذلك واصلت المجموعة الدولية تبني مشروعاً سوف يبقى حبراً أزرق على ورق. منح ذلك – في حقيقة الأمر – نظام الأسد قدرة داعمة جديدة، ومصداقية فعّالة من قبل حلفائه بما لايقبل الشك، يمنحه القدرة على مواصلة مشروعاته المتصلة باجراء الانتخابات الرئاسية، تزامنت مع تصريحات تشير الى عودة النظام، لتسليم وتدمير ماتبقى لديه من السلاح الكيمياوي، وتم تسليط الضوء على ذلك في  المستويين السياسي والإعلامي، بما يعزز الصورة الذهنية للغرب بالتزام النظام السوري على الإيفاء بالتزاماته الدولية، وهو يواصل التزاماً قطعه على نفسه بمحاربة الإرهاب في المنطقة.. فهل جاء الفيتو مكافأة أميركية أيضاً لدمشق ؟!

هل هي مصادفة أن يمنح الأسد فرصة تغاضٍ دولي جديدة، بناء على تراكم في عمليات القتل والتدمير، في الوقت الذي يعلن فيه رئيس الائتلاف الوطني، عن نجاحات سياسية وديبلوماسية، في لقاءاته الأميركية والأوروبية الأخيرة، في ظل التعامي عن أن النجاح الأساسي، يكمن في مسائل جوهرية ثلاث اليوم: حقن الدم، وسَوْقُ النظام الى مفاوضات جديدة، تلزمه الدخول في مرحلة انتقالية، وإحالة ملف الجرائم الى محكة روما الجنائية.

تقرير للخارجية الأميركية ( أمس الخميس) يربط بين أعداد الضحايا في سوريا، ومرات استخدام حق النقض / الفيتو الصيني – الروسي، ضد مصلحة السوريين، وفقاً لما يلي:
1- تشرين الاول/اكتوبر 2011: نقض قرار لإدانة انتهاكات حقوق الانسان من قبل السلطات السورية و الدعوة للإنهاء الفوري للعنف- كان عدد الضحايا 3500.
 2- شباط/فبراير 2012: نقض قرار تأييد خطة عمل الجامعة العربية – كان عدد الضحايا 7500.
3- تموز/يوليو 2013: منع قرار لادانة اي استخدام للأسلحة الكيمياوية في سوريا، ودعوة جميع الاطراف للسماح بدخول فريق التحقيق التابع للامم المتحدة- عدد الضحايا 93000.
4- أيار/مايو 2014: نقض قرار إحالة ما يجري في سوريا الى المحكمة الجنائية الدولية- عدد الضحايا (اكثر من 160000).

ثمة إرادة دولية غائبة حيال الحالة السورية،كم يجب علينا القول أو التذكير بذلك. لكن اليوم يمعن المجتمع الدولي، في حرمان السوريين من الحلم المشروع بالعدالة. يأمل السوريون بأن تكون العدالة الدولية، ضمانة لحقوقهم في الإقتصاص العادل من مرتكبي الجرائم البشعة. ولكن الفيتو الصيني – الروسي، أجهض مثل هذا الأمل.. إلى حين.

ولكن هل تستطيع المعارضة السورية استثمار مثل الحدث، بكشف الشراكة الدولية بما يحدث، و بتعزيز موقفها الرامي لإيجاد تسوية في وضح النهار، دون المرور بالغرف المظلمة، وأن تعمل بجدية وسط عالم لايدعم في الحقيقة سوى نظام الأسد؟

ثمة أصوات تنطلق من هنا وهناك خافتة، ورمادية، تدعوا للتفاوض، ولكنها غير قادرة على المجاهرة بذلك بسبب ضعفها السياسي والفكري، وغياب مرجعية اجتماعية، ولاتمتلك طيفاً وطنياً واسعاً يتبنى مواقفها، بالدرجة الأولى، لا تنشط في وضوح النهار ، كما يجب، إن كان مبدأ المصلحة الوطنية هو الأساس، تساندها وتدفع بتياراتها المتعددة الأوجه والأشخاص، دول القوى الناعمة، التي تشق طريقا بهدوء، مثل مصر والإمارات، إضافة الى قطر.. بالشراكة مع إيران التي تعمل لتكون أيضاً، جزءاً من الحل في سوريا، كي تبقى في المنظومة الاستراتيجية الإقليمية في المنطقة، رقماً صعباً. هناك تسوية سياسية يجري التحضير لها الآن، بعيداً عن الائتلاف الوطني، وبمشاركة شخصيات منشقة ، وأطراف ممثلة لدمشق.

بالمقابل يمتلك النظام منظومة سياسية وقانونية، يوظفها  ويديرها بالتشارك مع قوى إقليمية ودولية داعمة له، ويدعم ذلك بنجاحات ميدانية ، ماكان له أن ينجزها لولا  حالة الانقسام والتشرذم التي تتعمق وتتأصل في أوساط المعارضة السورية، التي لاتعرف اليوم مالذي تقوم به، ومايتوجب فعله. ومع كل الجهود التي تعتقد المعارضة أنها تحققها، فإن انعكاس ذلك على الأرض، في الصراع بين تياراتها على المال والسلطة، ومع النظام، تقودنا الى أمرين لاثالث لهما  في ظلال الثورة هما تناسخ الاستبداد،والفوضى العارمة. لقد ضاعت الطاسة، فلِمَ يكترث المجتمع الدولي بعدالة لانسعى إليها ؟!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s