انتخابات الأسد : بين الشرعية..والمواقف الدولية / عبدالرحمن مطر

  

        إعادة انتخاب الأسد لولاية جديدة ثالثة، هي الأولى وفقاً للتعديل الدستوري الذي جرى في 2012، يمثل مؤشراً خطيراً بأن الأزمة في سورية، مرشحة للاستمرار، من المرجح أن تشهد تطورات تتمثل باستخدام أشدّ وأوسع، لوسائل العنف الدموي بغية الحسم، خلال الفترة المقبلة.

وتبدو النتائج التي أراد النظام أن يصل إليها، ورقة جديدة أكثر أهمية وفاعلية، لديه، بعد أن استنفذ جميع ما بحوزته من أوراق ووسائل، متوّجاً تعاونه الدولي في تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي المتصل بالترسانة الكيمياوية، التي أنجز تسليمها (98%) بموجب خطة عمل  مرتبطة منهجياً، مع عملية استعداده لإنجاز الاستحقاق الرئاسي، الذي تمكن منه.

كان الأسد في معرض التزامه بتنفيذ قرار إلزامه تسليم الكيمياوي بعد مجزرة غوطة دمشق، قد أعلن بوضوح، أن الفترة الممنوحة لسوريا للتنفيذ غير كافية، وأن ذلك قد يستغرق عاماً وأكثر. في ذلك إشارة واضحة إلى أنه ينوي مقايضة الكيمياوي، باستمرار وجوده على رأس السلطة. مدركاً ان المجتمع الدولي، سيتغاضى عما يرتكبه في الداخل من مجازر وممارسات قمعية، في مقابل انصياعه للمجتمع الدولي. وهذا في واقع الأمر ما حدث تماماً.

معطيات

يؤشر سعي النظام الى إجراء الانتخابات الرئاسية، وفي موعد سابق لأوانها بشهرين، أنه في حال سباق مع الزمن، ثمة خشية من أية تطورات قد تقلب موازين القوى، بمعنى أن يضطر الى القبول بمبدأ التمديد، في إطار الانخراط في عملية التسوية السياسية، والتي ستؤدي حتماً الى الإنقاص من صلاحياته، ولذلك كان أمر الحصول على تفويض جديد من الشعب السوري، مسألة في غاية الأهمية لمواجهة التحديات، وإعادة جمع صفوف مؤيديه من حوله، مستثمراً في ذلك نتائج العمليات العسكرية الواسعة، في ريف دمشق والقلمون وحمص. وكذلك مشروعات المصالحة التي رعاها في عدّة مناطق حاصرها النظام، لفترات طويلة أجبرت أهليها على التصالح وخروج المقاتلين.

الانتخابات دون شك تمثل اختراقاً لجوهر بنود جنيف 1، والتي انطلقت بموجبها مفاوضات جنيف 2، والواقع إن تعمد النظام على عدم التفاوض على شئ، أفشل الجولتين الحوار، ضمن خطته لاكتساب الوقت وعينه على الاستحقاق الدستوري، فجاء إجراءاً أحادياً، ضارباً عرض الحائط، بكل الجهود والمبادرات الرامية الى إيجاد أرضية تفاوض تقود الى إنشاء هيئة حكم انتقالية، سوف تنتزع في النهاية الحكم من الأسد مع مرور الوقت، وباعتبار أن النظام السياسي السوري رئاسي، فإن ” السلطة ” مهددة في عمقها.

الإجراء الأحادي يهدف في الحقيقة، لتعزيز الفوضى التي خلقها النظام أو تسبب في نشوئها عبر سياسات التمييز والتغاضي عما يجري من تجاوزات باسم حماية الوطن ومكافحة الإرهاب على كل الأصعدة والمستويات.

واليوم بعد إعادة انتخاب الأسد فإن النظام سوف يستثمر ما اعتبره نجاحاً جماهيرياً ساحقاً، في الحصول على دعم واسع من حلفائه، خاصة على المستوى السياسي، لتحصين مواقعه، وإعادة إنتاج نفسه كممثل شرعي مرّة جديدة للسوريين، تمكنه من طرح فكرة إقامة ” حكومة وحدة وطنية انتقالية “، في الفترة اللاحقة.

استمرار النهج الدموي

سوف يواصل  النظام سياسته، في سلب السلطة، وتكريس سياسة التهميش والإقصاء، وفرض إجراءات الحصار والقمع بصورة أشد، في محاولة للقبض مجدداً على جميع مفاصل السلطة، عبر آليات المحاصصة الطائفية والمناطقية والدينية، التي نجح في تشجيع ممارستها بصورة فعلية، ما يمكّنه من مواصلة الاستحواذ على الحياة العامة .

لم يتوقف النظام عن دك المدن والبلدات بالبراميل المتفجرة، والقذائف المدفعية، وعمليات الإبادة الجماعية المنظمة ضد المدنيين. في يوم الإنتخابات وحده كانت هناك 100 ضحية، وعشرات المباني المدمرة، وآلاف المهجرين. ولم يكن في وارد التوقف عن ارتكاب المجازر، تعزيزاً لسياسته في ممارسة أقصى عمليات العقاب الجماعي، والمرحلة المقبلة مرّشحة لتوسيع انتشار العمليات العسكرية، ومزيد من الفوضى، في تصعيد طبيعي للأزمة الوطنية، نتيجة لصلف النظام ورعونته، واعتبار كل من خرج على طاعته، يتوجب ” تطهير” البلاد منه ، على حدّ تعبير الأسد.

سوف يلمس السوريون – خاصة الموالون للأسد – أن الأزمة في تصاعد، وأنها ليست بداية للحل السياسي، ولن يتمكن النظام من إحلال الأمن والاستقرار الذي يعتقدون أنه ضمانة لهم. وسوف تتبدى لهم حقيقة ان النظام سيأخذ البلاد في طريق المجهول إذا ما استمر في تعنتهن وعدم الإقرار بضرورة التسوية التي تشارك فيها كل الأطراف الوطنية، والاعتراف بالمعارضة، وبوجود أزمة وطنية حقيقية. لقد منحت 88% الحق لنظام الأسد الاستمرار في الاستقواء بالقوى الأجنبية الإيرانية – الروسية، وتطوير نطاق ارتكاب المجازر.

لقد كان واضحاً مبلغ التزويروالتجاوزات في العملية الانتخابية، وكذلك الاختراقات السياسية والإعلامية التي جرت قبل وأثناء الانتخابات، تمّ رصدها من قبل أطراف غير مراقبة رسمياً في الانتخابات، وقد تم توثيقها، بالتوازي مع الضخ الإعلامي لمساندة الأسد وتوجيه الناخبين لاختياره. يضاف الى ذلك استخدام آلية التفويض بالتصويت عبر الوسائل الالكترونية، دون إقرارها واعتمادها من المحكمة الدستورية، أو مجلس القضاء الأعلى. وكذلك تصويت مجموعات وأفراد لايحق لها التصويت، بحكم الجنسية الغير سورية. كما لاحظت الدراسات الإحصائية خللاً واضحاً في الأرقام المعلنة لجهة التعداد العام للسوريين الذين يحق لهم التصويت، وأعداد من قام بالتصويت، مقارنة مع أعداد اللاجئين والمهجرين، والنازحين.

دور المعارضة

لقد استطاع الأسد انجاز استحقاق وطني، سعى إليه بالتخطيط والبرامج التي أخضعها للتنفيذ والمراجعة المستمرة، في الوقت الذي لم تستطع فيه المعارضة أمام أي استحقاق وطني، الالتفاف حول رؤية أو وخطة عمل مرحلية ومستقبلية، تمثل جامعاً لجهودها باتجاه الهدف الوطني المتمثل باسقاط النظام.

لم تكن قادرة – ولا زالت عاجزة – عن العمل في المحيطين الاقليمي والدولي، لإيقاف أي من برامج الأسد ضد السوريين منذ ثلاث سنوات،لم تستطيع تحجيم قدرته العسكرية والأمنية، أو دفع المجتمع الدولي لإجباره على التفاوض على رغم كل المجازر التي يرتكبها، ولم تستطع الحصول على سلاح نوعي، ولم تتمكن من بناء سلطتها الوطنية واقامة إدارة انتقالية محلية، في المناطق الغير خاضعة لسلطة النظام.

لم تتجه قوى المعارضة السورية، نحو حوار فيما بينها، والأخذ بالعمل الجماعي، تحت مظلّة المصلحة الوطنية. وظلت الولاءات فوق الوطنية، وتحت المناطقية، والانتماءات الضيقة تتجاذبها، دون أن تنتج قدرة تمكنها من فرض وجودها كمعارضة حقيقية فاعلة ومؤثرة.

 لقد كان المجتمع الدولي غير جاد في كثير من المسائل المتصلة بالوضع السوري، ولم يف حتى الآن بأية وعود قطعها في السابق. بل ان التطور المهم الذي يجب ملاحظته، أنه لم يعد يقدم وعوداً للسوريين حين يلاتقي قادة معارضتهم.

كان بمقدور الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أن تتخذ اجراءات قانونية وسياسية، واجراءات ديبلوماسية بحق النظام السوري، تتجاوز مسألة العقوبات المفروضة الآن، وهي عقوبات غير فعّالة على النظام على المدى البعيد.

وكذلك العمل مع روسيا والصين وايران، في إطار الأمم المتحدة والعلاقات الثنائية والإقليمية على عدّة محاور أهمها:

–         ايقاف نزيف الدم اليوم، بوضع حدّ لعمليات النظام المتواترة، بصورة همجية وبشاعة اجرامية غير مسبوقة.

–         الزام النظام بالعمل على انجاز تسوية سياسية وفقاً لجنيف 2، وبالتالي عدم السماح له باجراء انتخابات رئاسية من شأنها تصعيد المواقف وتصليبها

 وإن كان المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية التغاضي عما يقوم به الأسد، بما شجعه على اغتصاب السلطة في ولاية جديدة.. فإن المعارضة السورية، أيضاً تتحمل جزءاً من تلك المسؤولية، بسبب حالة الانقسام والتشرذم، ولأنها ..لاتمتلك شيئاً سوى المحاصصة والمغانمة، والاقصاء، والتهميش..سيما وأنها أيضاً تخوض الآن معركة انتخابات الائتلاف الوطني. كما انها تفتقد الى الثقة المتبادلة فيما بينها وفي داخل التيارات القائمة بصورة تقود إلى تعويم المعارضة، وكشف المزيد من الخلل الذي تعانيه، دون أن تكون جادة في مسعى العمل الوطني، من أجل استعادة زمام المبادرة مرّة أخرى، في الصراع مع نظام الأسد.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s