سوريا والغرب وإعادة التكوين

 

 

                سوريا هي موقع القيادة، أو الحلبة التي تواجه فيها كل القوى بعضها مع البعض الآخر، ويكون لذلك عقابيل – جيدة أو سيئة – في كل أنحاء العالم. ستُدمَّر الثورة السورية أو أنها ستَغرِسُ لها موطئ قدم، وهذا لايمكن حدوثه بدون مساعدة خارجية. ينبغي على العالم بأسره أن يرى بأنه يواجه خياراً خطيراً.

هذه الرؤية يدفع بها بعض أهم مثقفي الغرب بشكل عام والأمريكي بشكل خاص اليوم، من توينبي الى شارلز هيل، وتتمحور حول الأهمية التاريخية لسوريا، عبر العصور، وصولاً الى المساهمة الأساسية لمايحدث في سوريا اليوم من تغيّرات عميقة، إن تمّت في منطقة الشرق الأوسط، فإنها تعتبردّالة على  إمكان المضي قدماً في طريق إعادة التكوين السياسي والاجتماعي للمنطقة، في ظل رهاب الاسلاموية.

ثمة مسألتان جوهريتان، الأولى تكمن في أهمية سوريا دوراً ومكانة، والثانية أن مايحدث فيها صراع قوى اقليمية ودولية، فما الدلالة على مبلغ التدخل في الوصول الى حل يحقق شروط التغيير في المنطقة ؟

الواقع نستطيع أن نرى في مايحدث أنه ضرورة من وجهة نظر المجتمع الدولي، من أجل انضاج ظروف موائمة لإحداث التغيير. ليس الهدف هو ايقاف مايجري بقدر ماهو ضرورة تاريخية واجتماعية في المسارات الاستراتيجية للدول الكبرى المحركة لعمليات التغيير، ولايمكن فصلها عن الحلقات المتتابعة، التي لم تنتج  اهدافها المرحلية في الوصول الى شرق أوسط جديد كبير.

إعادة التكوين، أو محاولات إعادة التكوين السياسي والاجتماعي ، ترتطم بجدار التاريخي الاسلامي في المنطقة، كما تعتقد القوى الساعية الى فرض تغيير يستند الى أفكار من خارج، تستهدف تغيير بنى وعلاقات الداخل، في المنطقة الأكثر تعقيدا والاكثر عمقا في التوليد الحضاري، ذلك أن فهم العلاقات المتشابكة بين التاريخي والديني والسياسي، وارتباطهما بالمكوّنات الاجتماعية للمجموعات البشرية، مايزال فهماً يستند الى رؤية الغرب ذاته، حتى وإن استعان ببحّاث شرق أوسطيين، وكذا الحال بالنسبة لسوريا جوهرة المنطقة والعالم، وجمرة الصراع الدولي.

لاأعتقد ان الذهنية الغربية معنية بما يحدث في سوريا، لو كانت كذلك لدفعت باتجاه ابتكار آليات فعّالة لإيقاف الخراب العميم. قد يكون مثار لامبالاة بانحدار القيم الانسانية التي يتمظهر الجتمع الغربي بالانتماء اليها.القيم الفردية للحقوق والحريات، لاحقوق المجتمعات. كل ماهو فردي مؤلّه. لكن مايحدث لشعب ومجتمع سوري بأكمله لايثير حفيظة على مستوى مؤسسات المجتمع المدني الغربي، بالكيفية التي تدفع بصنّاع القرار للمساهمة الفعّالة بإيجاد حل .

ثمة شعور يعبّر عنه الرأي العام السوري، بأن الغرب  إذ يتعامى عن جرائم الأسد ونظامه، فهو إذن لايمانع في استمراره، على النقيض من الدعوة الوطنية السورية لإسقاطه. هذا المجتمع الغربي يسوق الإسلاموية كمظلّة، أو مروحة للمخاوف التي يثيرها، بعد تمدد الحركات الاسلامية المتشددة في المنطقة.

عودة الى تلك المخاوف، منشؤوها أن الغرب الذي ساهم في دفع الأصوليات الإسلامية للنهوض في مجتمعات أقتضت مصالحه السياسية ذلك، ارتدّت إليه في مراحل مختلفة, وأماكن متعددة ولّدت في أوساطه فوبيا من الإرهاب . لم يكن ذلك ناتجاً سوى عن سوء تقدير في الاستراتيجيات وقصور في الرؤى، وفي الأصل بنيت تلك السياسات اعتماداً على مبدأ الحاجة الى مايحقق مصالحها هي فقط، دون اعتبار للنتائج التي يمكن لسياساتها أن تقود إليه في مجتمعات القوى الاسلامية الحاضنة لنموها وانتشارها .

إن الغرب الذي يتخذ من مخاوف انتشار الارهاب، سبباً لتردده في اتخاذ موقف حازم من المجازر التي تشكل عاراً على الانسانية بمثل هذا الكم والكيف الذي تجري به، هو غرب مؤسسات، يعيش أزمة في الفكر الأخلاقي، حين تتعارض القيم التي يتخذ منها منهجاً لمجتمعه الضيق، ويحميه بقوة القانون وسيادة المؤسسات، مع التطبيق الذي يمارسه على المستوى الدولي ، حين تتعارض سياسات المصالح واللامبالاة تجاه شعوب اخرى، دفعت ثمناً باهظاً لرفاهية الغرب وتقدم مجتمعاته، فلم يتشكل حتى اليوم رأياً عاماً غربياً ” اميركياً وأوروبياً ” فاعلاً مؤثراً، ضاغطاً وإيجابياً تجاه القضية السورية.

هذه اللامبالاة، شكل آخر للدعم الذي يتلقاه نظام الأسد. يتجاوز الأمر حقيقة أن الغرب لايدعم الثورة السورية، لا أصدقاء سورية تفي بوعودها، ولا مؤسسات المجتمع الدولي تنهض بمسؤولياتها تجاه السوريين . لذلك نجد أن الحكومات والدول لا تضع في سلم أولوياتها جدية اتخاذ مواقف حاسمة تجبر الأسد وحلفائه على إيقاف القتل والتدمير.

أن العالم المتعامي عن حقوق الشعوب وحرياتها، لايمكن أن يقدّر مدى وحشية النظام الذي يهطل المدن بالموت. لنلاحظ أن صحفاً عالمية أميركية كبرى، كالواشنطن بوست على سبيل المثال ماتزال تتساءل عما إذا كان النظام حقاً يستعمل الكيمياوي ضد شعبه ..هو عالم لايمكن التعويل عليه.

الحقيقة نحن ضعفاء، بالقدر الذي لايمكننا الاستغناء فيه عن التدخل الاقليمي والدولي في قضيتنا السورية، التي يرى فيها الآخر، حركة تاريخية واجتماعية نحو التغيير الممكن في المنطقة والعالم . انهم يعملون حقاً نحو تكوين جديد، ولو أدى ذلك لإذابة أحلام السوريين في الحرية والكرامة .

ليس للسوريين إلا ثورتهم ..إلا أنفسهم وبعضهم ، كي تورق أحلامهم!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s