صيف الفرات: انتفاضة في العراق..أم مؤامرة ..!

 

               مايحدث في وسط وشمال غرب العراق ، هو أقرب الى الصدمة، لكنه حسب أهالي المنطقة لم يكن مفاجئاً، فقبل أربعة ايام من الاجتياح الكبير، كانت ثمة مجموعات مسلحة بدأت الدخول والتمركز في مناطق عدّة من الموصل وجوارها. حدث سيترك آثاره العميقة في المنطقة .
ليس الأمر مجرد هجوم داعشي للسيطرة على المنطقة، فثمة “مجلس عام لثورة العراق”. ولا شك أن الولايات المتحدة تدرك جيدا ما الذي يحدث، ولذلك سارعت بالإدانة واستعدادها لتقديم دعم للمالكي بـ مليار دولار !
كنا نعتقد أنه خلال ساعات سينقشع الغبار..وتتضح الصورة الحقيقية.و بدلاً من أن تتوضح الصورة، يتعدد المشهد ويتعقّد، وثمة سؤال يدور حول مؤشرات ودلالات الحدث، ما إذا كان اجتياحاً داعشياً، أم هي انتفاضة عراقية ضد نظام الحكم في بغداد، التي وصّفها المالكي على الفور كما حليفه الأسد بأنها مؤامرة! ولكننا نحتاج الى استحضار كل المعطيات التي قادت الى ما حدث وقراءة ردود الفعل الاقليمية والدولية المباشرة، علّ ذلك يقودنا نحو الوجهة الأقرب لمعرفة الحقيقة، بل جزءاً منها.

خلفيات

ثمة تداخل في فهم ما يحدث في العراق منذ 2003، الذي نشات فيه المقاومة العراقية، ضد الاحتلال الأميركي، وسلطات بغداد. شكلت القاعدة واحدة من أجنحته التي سيطرت فيما بعد على المشهد ، فيما تراجعت المقاومة الوطنية، بفعل عوامل موضوعية عديدة من أهمها محاصرتها وتضييق الخناق عليها، وملاحقتها في معاقلها التقليدية، من قبل الحكومات العراقية الموالية لطهران بشكل خاص. لقد ساعدت دمشق كما طهران، تلك القوى على الأرض العراقية، وفي الوقت نفسه كان النظام حليفاً لها، في حالة ازدواجية طالما كانت سمة الغرب التي ننتقدها حيال قضايانا الوطنية.

تبدو العلاقة بين الأنظمة الديكتاتورية، هي الأكثر فاعلية، وهي المؤسِّسة لجملة التوازنات في المنطقة، فقد كانت الديكتاتورية الطائفية، تقوم على نهج الوحشية والإقصائ بأشد الوسائل عنفاً، مع استهتار بالقوى الوطنية وقدراتها الكامنه، اضافة لإهمال متعمد في السياسات التنموية والاقتصادية.

 كان هذا الوضع محرّكاً لانتفاضة الأنبار قبل نحو عامين، بعد أن استطاعت حكومة بغداد المركزية في حصر وجود القاعدة وأجنحتها في غرب العراق، بالتعاون مع الصحوات التي ذابت..مع نهوض داعش .

مؤشرات الحدث

يبدو واضحاً اليوم، أن ثمة تضخيم لقدرة داعش ومكانتها، تماماً كما تم تضخيم وجودها في الشمال السوري. وكشفت حملة الجبهة الاسلامية ضدها، حقيقة حجمها، واستطاعت طردها خارج ريفي ادلب وحلب، ماسمح لها بتعزيز تمركزها في الرقة، كمقر ولاية شكلت منطلقاً لحملتها التالية شرقاً بهدف الاستيلاء على مناطق الجزيرة الفراتية  لربط المنطقة مع الأنبار. لقد ترك المجال مفتوحاً أمام داعش كي تتوسع وتتمدد وتقوى، في ظل تغاضي الغرب: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وعجز كامل للائتلاف والحكومة السورية المؤقتة، عن أداء واجبها في فرض سيطرتها ودعم المجتمعات المحلية في المناطق المفرغة من نظام الاسد.

المنطقة على فوهة بركان في الحقيقة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وجميع الأحداث التالية، هي بمثابة حلقات متتالية في اطار الاستراتيجية الأميركية لخلخلة المنطقة ..تفكيكها وإعادة تكوينها بما يخدم المصالح الغربية، لا تتصل المسألة بإيران على وجه التحديد، ولكن الغرب لايزال حتى اللحظة يقوم، صراحة أو مواربة، بدعم الديكتاتوريات وانشاء بديل عنها في اللحظة الممكنة، في مواجهة حركات التغيير الوطنية في المنطقة بأسرها، وبمختلف مكوناتها القومية ” عرباً وكورداً وفرساً”. بما شهدته من جرائم إبادة كبرى ومنظمة ( في العراق وسوريا ) هي الأسوأ وأشد بشاعة ودموية منذ قرن مضى.

الانتقال من ديكتاتورية الى أخرى، هي السمة الغالبة في المشهد السياسي المعاصر، هذا مايحدث..والعراق حالة مثالية لإحلال استبداد من يجوهر الإقصاء المتصل بالعنف بصورته الطائفية، المتصلة أيضاً بالتمييز العرقي. وقد سلكت حكومات العراق منهج الأستتباع لطهران مختارة ومجبرة في الحالتين هي اليوم جزء من المشروع الإيراني في المنطقة، ودعم المالكي لنظام الأسد واحد من مظاهر التجليات، وفي سياقه يأتي دعم داعش عبر التغاضي عما تقوم به، عبر التدريب والتجمع والتحشد وترك العراق ممراً لماتقوم به المخابرات الايرانية من تسليح وتسهيل عبور المجموعات الأفغانية وغيرها، باتجاه سوريا.

كان لابد لهذه القوة الاسلامية المتشددة – وقد لقيت في التغاضي الدولي، حيال ممارساتها الإجرامية  ضوءا أخضر- من أن تنمو وتعقد تحالفات مع القوى المناهضة لنظام المالكي، وأن تقوم بالتوسع مع العشائر وقواها السياسية والعسكرية ما يشكل خطراً على حكومة بغداد المركزية، ويتهدد البلاد بخطر التقسيم مجدداً، مثلما يتهدد منابع النفط التي ستكون تحت سيطرة القوة الجديدة الزاحفة.

لاشك أن الديكتاتورية جلبت الوبال في المنطقة، وقادت الشعوب الى حافة الانفجار والتشظي، ولم تستطع طوال عقد من إزاحة نظام البعث  أن تؤسس لدولة القانون والمساواة والعدالة والإستقرار، رغم كل الدعم الذي يتلقاه المالكي من طرفي صراع خصمين هما طهران وواشنطن .
الصورة الحقيقية  لم تتضح بعد..وإن بدأت بالتشكل تدريجياً، والوعي السياسي والاجتماعي، وفهم العلاقات الشائكة، هو السبيل لتجنب مواجهات دامية في المنطقة الممتدة من الرقة وحتى ديالى، بل وأبعد من ذلك بما لايمكن الإحاطة به وتطويق تداعياته وارتداداته او الحدّ منها، بسبب الاستبداد الذي يعزز بنيته نظام إقليمي قوامه مثلث الطغاة في دمشق وبغداد وطهران، وتنهض بجسده داعش.

أميل للإعتقاد أن العشائر العراقية أنجزت تحالفاً ” قد يكون مؤقتاً ” مع داعش، بحكم قدرتها وموقعها في العراق، ليست بعيدة عنه المقاومة الوطنية ” البعثية “، بهدف إعادة رسم الخارطة السياسية في العراق بعد سنوات الحكم الطائفي، وبما يعيد انتفاضة الأنبار الى الساحة السياسية، وسط خلافات جوهرية داخل الإدارة الأميركية، حول سياسة اوباما تجاه المنطقة، سوريا والعراق على وجه التحديد!

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s