استحقاقات الثورة السورية بين جنيف 3 ومعركة الساحل

 

       يعترض كثير من السوريين على أداء القوى والتشكيلات العسكرية في الثورة السورية، مثلما يطال الإنتقاد قوى  ومؤسسات المعارضة التي لم تنجح حتى اليوم في ايجاد قناة مؤسساتية تتيح التنسيق  والعمل المشترك بين أجنحة الثورة  وقواها المختلفة.

الواقع أن معركة الساحل اليوم، تثير عدداً من المسائل المتصلة بالرؤية الوطنية، لهوية الثورة، وكُنْهِ مطالبها الرئيسة بالحرية والكرامة، عبر تحقيق هدفٍ محوري لا اختلاف عليه، وهو إسقاط النظام ، حتى في ظل غياب الإستراتيجيات الواضحة التي يجب أن تقود اليه، بالضرورة. وتبدو تطورات المعركة في الساحل  مؤشراً هاماً على المازق الذي وصلت  إليه اطراف الصراع والنزاع في سوريا ومن خلفهما القوى الإقليمية والدولية، في  المساعي السياسية لإيجاد حلّ واضحةٌ محدداته بجنيف 1، فشلت حتى الأن جلستي مباحثات جنيف 2 في إطلاق عملية تفاوض ممكنة.

قد تكون معركة الساحل جزءاً من أليات الدفع باتجاه الضغط على النظام للتفاعل مع خطة القوى الدولية لإنهاء الوضع في سوريا بالذهاب الى تسوية ما، مثلما كانت مذبحة كيمياوي الغوطة، سبباً جوهرياً في وصول الطرفين الى جنيف 2 وفقاً لقرار مجلس الأمن المتصل بالكيمياوي السوري، على الرغم من وجود اطراف دولية مناهضة لنظام الأسد، ولكنها تسعى لإيقاف معركة الساحل، في سياق حماية الأقليات التي يجري النفخ في جمرتها.

الملاحظ  في هذه المعركة ان الإئتلاف الوطني، دخل بكامل قوته، كما فعل في دعمه للجبهة الإسلامية التي استهدفت الوجود الداعشي في ريفي حلب  وإدلب، وتوقفت عند مطاردة فلولها على حدود الرقة لتُبقي منطقة الجزيرة إمارة للدولة الإسلامية. كما أن الإئتلاف بحاجة الى دعم مواقفة الصعبة على أكثر من صعيد: في التفاوض  مع النظام، وفي استعادة زمام المبادرة  والقرار على الأرض، وثالثاً في محاولة التغلب على ضعف الاداء  والتقاعس الذي ظهر جليّاً في معارك القصير والقلمون، وفي سيطرة داعش على مناطق واسعة يفترض أن تديرها الحكومة المؤقتة.

الإنقسام الأفقي والشاقولي الذي يعاني منه الإئتلاف الوطني، يعززه انقسام وطني  واضح في صفوف الثورة السورية،  محوره أنه لايجب استهداف المناطق الآمنه في الساحل السوري، كي لاتقود الى حرب أهلية/ طائفية كما يرى كيلو في تصريحاته عبر العربية  وسوريا الغد والشرق الأوسط، خاصة في أن قوى حملة الأنفال الرئيسية  ليست تابعة او منضوية تحت “الأركان” أو الجيش الحر، وهو مايعزز المخاوف من القيام بأعمال عدوانية ضد الأهالي المدنيين. 

ليس مفاجئاً في الحقيقة أن يتخذ ميشيل كيلو مثل هذا الموقف، خاصة إذا أخذنا في الإعتبار أنه يؤيد التسوية السياسية، أي الحلّ السلمي. ولكن يبدو وكأنه تجديف عكس التيار، فالمخاوف التي يتحدث عنها قام النظام بتأصيلها عبر التزامه بالحلّ الأمني  والعسكري الذي يلجأ إليه منذ انطلاقة الثورة. ولكن السؤال الأكثر أهمية والذي يثار اليوم ليس مع مقال ميشيل كيلو ولكن مع بروز وجهات نظر متقاربة او متطابقة لعدد من مثقفي تيارات اليسار  في الثورة السورية، وهو لماذا هذا التحشيد الإعلامي الواسع الموارب الداعي لإيقاف جبهة الساحل، تماشياً مع خطى دولية وإقليمية تعمل على ذلك، بما يشكل دعماً للنظام، في الوقت الذي تم فيه التقاعس عن مواجهة النظام في حملاته مفرطة العنف” حسب التعبير الدولي ” في مناطق أخرى من سوريا.

كل المناطق السورية مشتعلة، ولايجد طاغية دمشق  من يوقفه عن ارتكاب المجازر البشعة يومياً. وبالمقابل لايجد السوريون حتى اليوم سوى صمت المجتمع الدولي في الوقت الذي لايفي فيه بوعوده بتقديم الدعم، على الأقل لرفع الحصار عن المناطق الأخرى.

الحريق في الساحل السوري – إذا جازت التسمية – هو جزء من حريق البيت السوري ..وليس ثمة تفريق وفقاً لأي معيار طائفي أو مناطقي أو ديني. أنا لست مع إشعال الحرائق في كل جنبات البيت، كي يذوق الجميع الطعم المرّ ذاته، ولكن المعطيات العامة للنزاعات الوطنية” بين المجتمع السوري  ومستبدّيه الطغاة، تستوجب توسيع رقعة استهداف النظام، وهي الآلية التي يأخذ بها نظام الاسد في استمرار حملة التدمير والقتل الممنهجين. لا أقول بالتشابه، وإنما بالضرورة التي دعت المعارضة السورية، أو في جزء منها لاتخاذ  قرارها النوعي بفتح جبهة الساحل، دون أن يكون في حساباتها  الدخول في نفق حرب أهلية تسعى إلى تأجيجها، بما يشبه بمعاقبة جماعية لمجتمع النظام. كما اراد السيد كيلو أن يرى فيها وقد حققت إنجازاً أحرج النظام وحلفائه، وكذلك الذين يعوّلون على هشاشة  وضعف المعارضة المسلحة، في الدفع باتجاه التسوية.   

لنلاحظ أن جبهة النصرة هي إحدى القوى التي سبق للسيد كيلو أن شملها بدعمه السياسي، فهل ستقودنا الإزدواجية  والكيل بأكثر من مكيال في قضية وطنية واحدة ، الى أن تصل الثورة السورية الى أهدافها الأساسية ؟

لانقبل بالقطع استهداف أي مدني ، أو معلم ديني  وانساني، في أي مكان، مهما كان الإنتماء، ولكن معركة السوريين جميعا  ومعاً ضد الإستبداد، تتطلب أن نُعلي  من معيار الوطنية، على كل المعطيات الأخرى. ويبدو أن السيد كيلو يقترح أن يكون الحل عسكريا وأمنياً وسياسياً بعيداً عن معاقل النظام، حتى  ولو استمر في دك المدن والبلدات السورية بدون هوادة. ولقد حاول جاهداً أن يكون موضوعياً في طرح وجهة نظره ، لكنه لم ينجح في ذلك.

السؤال الأهم اليوم عما إذا كانت معركة الساحل تخدم قوى اقليمية ودولية، لجهة حمل كل الأطراف بالذهاب مجدداً الى جولة ثالثة من التفاوض. وفي الواقع إن الحديث عن فشل جنيف 2 هو كلام بعيد عما يجري من مداولات  ومباحثات سياسية، لم تنقطع بين مختلف الأطراف من أجل تعزيز مسار التسوية، قد تكون معركة الساحل – أردنا ذلك ام لم نرده – جزءاً من الضغوط التي تمارس على نظام الأسد، للقبول بانشاء هيئة حكم انتقالية من حيث المبدأ، بالتزامن مع التغاضي  عن الاستحقاق الرئاسي، حتى وإن طالت مرحلة التفاوض.

ومع النجاحات التي يحرزها “المجاهدون” في حملة الأنفال، وتنامي الصوت المعترض عليها في أوساط المعارضة السورية، يستمر النظام في حملات القتل  والتدمير، وفي اعتقال  وتعذيب مايقارب  من ربع مليون سوري، وجنيف 3 يطرق ابوابنا بشدة، ومع اعتقادنا بأن ثمة من لايريد انجازاً حقيقياً، يبقى أمامنا احتمالين واقعيين:

1-   أن تتوقف معركة الساحل بسبب نضوب الدعم، فتتحول الى معركة استنزاف طويلة.

2-   أن يقرر الائتلاف في اجتماعاته الاسبوع المقبل الذهاب الى المفاوضات بنفس الفريق  السياسي والإعلامي، وبرؤية لايعرف السوريون حتى الأن أي شئ عنها.

هل حققت معركة الساحل، اختراقاً لخطوط متفق عليها؟ وكيف سيكون حال السوريين في غد التعايش..وهل ستنجح معركة الساحل في أن تكون معبراً جديدا نحو جنيف 3 ، بعد أن فشلت كل المجازر، والمدن المدمرة والمحاصرة، والأرواح التي زهقت، في إيقاظ الضمير الإنساني.

_____________________

http://alraednews.com/?module=m_articles&id=9900 نشر في الرائدنيوز.4-4-2014

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s