لاحلّ في الأفق..والفوضى تربك التحالفات

 

 

تضغط جولة كيري المكوكية اليوم في المنطقة، باتجاه تشكيل حكومة وطنية جامعة، ترى فيها  واشنطن – كما يبدو – أن رحيل المالكي – هو جزء أساسي من آليات التوصل الى حل سياسي أكد عليه اوباما مؤخراً، كما  فعل كبار مسؤولي البيت الأبيض. لكنها لم تطالب المالكي بالرحيل. طرحت الفكرة داخل الإدارة الأميركية في اجتماع ضم كبار القادة الأميركيين السياسيين والعسكريين، في ظل تجاذبات بين الديمقراطيين والجمهوريين. ولكن لم تكن هناك فاعلية لمثل هذه الدعوة، فالمالكي والائتلاف الذي يتزعمه، وقد سجل نصره في الانتخابات، هو حليف لواشنطن، ويفترض أن يضمن تنفيذ الاستراتيجية الأميركية فيما يتصل بالعراق. المالكي اليوم هو أقرب إلى طهران، التي أعلنت صراحة أنها مستعدة ليس فقط للتدخل العسكري، بل رفضت على لسان المرشد الأعلى رفضها لأي تدخل عسكري، هو بالأساس مطلب الحكومة العراقية، الذي رفضته واشنطن دون استبعاده، إذا ماتوافرت شروط ومعطيات اللجوء إليه.

 

رحيل المالكي: تجاذب اقليمي

موقف إيران وروسيا الداعمين للمالكي، سيعززان رفض الأخير للتنازل عن نصره في الوصول إلى حكم البلاد مجدداً، مع صعود مرشحين محتملين لخلافتة، مثل إياد علاوي، وعادل عبدالمهدي. لكن تعنت كتلة المالكي كما هو واضح حتى اليوم، سيفاقم الأزمة، مع وجود مواقف عربية تلتقي مع الرؤية الأميركية في ضرورة انسحاب المالكي، واعادة بناء سلطة متوازنة بين جميع المكونات العراقية، وفي الواقع فإن علاوي وعبدالمهدي، هما شخصيتان يجمع على أدائهما الوطني معظم العراقيين من مختلف الأطياف.

ان استمرار المالكي، بالصورة الطائفية، التي يجيّش فيها مواجهة الانتفاضة العراقية، وموالاته لقم، لن يقود إلى حلّ في المدى المنظور، ولن تتمكن الأطراف من القبول ببعضها في ظل التعامي عن الأسباب الحقيقة للحدث العراقي الراهن. كما أنه حاول الخروج من عنق الزجاجة، باتهام السعودية على ماسماه الارهاب والتمرد، على خلفية الموقف السعودي المعروف، بضرورة عدم استبعاد مكونات الشعب العراقي من المشاركة الحقيقية في إدارة بلادهم لحقبة جديدة، تقود الى الإستقرار. علاوة أنه لم ير في القوى المنتفضة، سوى  أنها “دعشاء”!

 

بغداد وطهران : استنساخ التجربة السورية

المالكي، وحلفاؤه يستنسخون التجربة السورية، في التعامل مع انتفاضة العراقيين، من حيث الأخذ  بالاتهامات ذاتها، بأنها مجموعات إرهابية، مرتبطة بالخارج، وأنها مؤامرة خارجية بأدوات داخلية عميلة. و حكومة بغداد تستند الى  دعم كل من ايران وحزب الله، اضافة للموقف الروسي الجديد الى جانب المالكي . كما انتهجت بغداد الأسلوب ذاته، في مواجهة “الانتفاضة” أي اللجوء الى الحلّ الأمني والعسكري.

مع تقدم القوى المناهضة للمالكي  واكتساحها للمدن الكبرى، يبدو أن الاستعانة بميليشيات مدنية لمتحزبين موالين للحكم في إطار انتماء طائفي مذهبي، ليس بعيداً عن استعانة الأسد بمجموعات الشبيحة والجيش الوطني، ولا يختلف الأمر بالنسبة لإطلاق سراح السجناء وفي التعامل مع  القوميات، خاصة في استمالة اقليم كردستان العراق، تماماً كما توالي قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني BKKنظام الأسد التي حلّت محل قواته المندحرة والمنسحبة من مناطق عدّة في الشمال السوري.

المؤشرات الدّالة على أسلوب متقارب في محاولة إدارة الأزمات عبر القوة المفرطة، في كل من سوريا والعراق، لاشك يتصل بذراع الاستراتيجيا الأمنية العسكرية الإيرانية، التي تهيمن على القرار في البلدين المتهالكة حكوماتيهما، رغم انتفاضة الشعوب ضد الديكتاتورين الأسد والمالكي. ايران اليوم هي الحلقة القوية الوازنة، سواء مايتصل بالأوضاع على الأرض، أو في عمليات التفاوض السرية والعلنية، وحشد التاييد الدولي بالتعاون مع موسكو، وتغذية النزاعات المسلحة عبر دعم حلفائها بالمال والسلاح والخبراء والمقاتلين المنتمين الى عقيدة طائفية محددة.وتحاول طهران جاهدة لستثمار الحدث العراقي – السوري الراهن، كورقة ضاغطة في اتجاهين هما: مفاوضات النووي الإيراني المتواصلة دون تحقيق شئ، مع استمرار المشروع. والثاني في فتح قنوات اتصال وتعاون جديدة مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، فيما يسمى الحرب على الإرهاب، بعد أن طال الخطر واحداً من أهم حلفائها الموالين لها: المالكي وحكومته الطائفية.

 

تمدد داعش ومخاطر الإرهاب

كانت واشنطن تراقب عن كثب نمو وتصاعد وانتشار حركة الجماعات المتشددة في العراق، برعاية مباشرة أو غير مباشرة من طهران وبغداد، وعلى الرغم من إداراكها لمخاطر تناميها، فقد آثرت التغاضي عنها..الأمر ذاته فعلته دول الاتحاد الأوروبي، وهي اليوم  تعيد بناء مواقفها واستراتيجياتها، بما يشكل لبلدانها حماية من مخاطر انتقال الإرهاب إليها، خاصة بعد اكتشاف ادلة على وجود أعداد مهمة من مواطنيها، في صفوف داعش وجبهة النصرة، تم تجنيدهم على أراضيها( فرنسا وبريطانيا ).

ولم تساند أي من تلك الدول بصورة فعلية، على تحجيم وجود داعش في سوريا. وقد واضحاً في الشهور الثلاثة الأخيرة، أن خطة داعش تقوم على التمدد والانتشار من الرقة باتجاه الرمادي، كنقطة اساسية، وخاضت معارك طاحنة مع الجيش الحر، في ريف الرقة ودير الزور وريف الحسكة. وقد تمكنت بالفعل من السيطرة على الحدود والتحرك بحرية كاملة.

وبغض النظر عن الخريطة التي نشرتها داعش، لدولتها المستقبلية التي تضم بلاد الشام والعراق والكويت، فإنها اليوم تتوسع ايضاً باتجاه حلب، لاستعادة السيطرة على الريف، ومن ثم المدينة لاحقاً. وقد منحها الوضع الجديد في العراق، قدرة كبيرة على بثّ الرعب، وإرهاب القوى السياسية والمجموعات المسلحة في المنطقة بأكملها، وكذلك استيلائها على العتاد الحربي الكبير، من أسلحة الجيش العراقي. وقد بدأت تنقل كل يوم في الليل كماً هائلاً من السلاح والذخيرة والعربات العسكرية والاموال .

ويرى مراقبون أن ماتقوم به داعش، ثمة قوى اقليمية ودولية داعمة له، بهدف تحقيق مصالح واستراتيجات، تقود الى تفيكيك المنطقة بالكامل.

 

كركوك : درب الدولة

 تلعب طهران اليوم دوراً مهماً في تطوير علاقة بغداد مع إقليم كردستان بهدف مسألتين هما تحييده عن الدخول في صراع ضد حكومة المالكي، وتشكيل حزام مانع لتمدد” داعش” الى كركوك.و ثانياً: استخدام أراضي الإقليم ومواقعه، في أي عمل عسكري تقوم به الحكومة المركزية ضد ” الإرهابيين “.  وذلك بمقابل موافقة المالكي وكتلته على تطبيق فوري للمادة (140) من الدستور العراقي، وضم كركوك المتنازع عليها إلى إقليم كردستان العراق.

هذا الاتفاق الذي رعته طهران قبل أيام، يأتي ضمن التطورات الأخيرة، التي مكنّت للبشمركة بسط سيطرتها الكاملة على مدينة كركوك، وخاضعت معارك قصيرة وسريعة، منعت توغل داعش في المنطقة، وبالتالي فرضت وجودها كقوة اساسية منظمة ومدرّبة، على خلاف الجيش العراقي الذي ترك كل شئ وفرّ. وفي الواقع فإن داعش والقوى المشاركة لها، وضعت في اعتبارها عدم التصادم مع الأكراد أو تهديد مصالحهم.

                                                    5

ما من شك ان كردستان العراق، لم تتاخر في العمل على تهيئة كل الظروف التنموية والاجتماعية والاقتصادية، التي تقود الى ” بناء الدولة ” بانتظار توفر الغطاء السياسي الملائم في اللحظة التاريخية المناسبة، واليوم ثمة علاقات جيدة مع تركيا، مع غياب الدولة في الشمال السوري، ومباركة طهران لعلاقات حسنة للإقليم مع الحكومة المركزية. والواقع، فإن استمرار الوضع في في سوريا والعراق، وتطوره باتجاه مزيد من الفوضى والخراب، يمنح الكورد قيمة إضافية في العمل على الاستفادة من كل الظروف – بما فيها لقاء برزاني / كيري –  التي يمكن اعتبارها ” فرصاً تاريخية ” قد لاتتكرر في المستقبل.

 

الفوضى الدامية

تمتلك الإدارة الأميركية، من القدرات والآليات، التي تمكنها من القيام بدور فاعل وحاسم في المنطقة، بعيداً عن استخدام القوة او التلويح بها، وقد نجحت في الواقع في اجبار الأسد على تسليم الترسانة الكيمياوية، وهي قادرة اليوم على منعه، من مواصل القتل والتدمير ضد السوريين، وقد خرجت الأوضاع عن السيطرة في العراق. وليس من مصلحة الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، امتداد الحرب وتداخلها في المنظقة الممتدة من غزّة  وجنوب لبنان، حتى افغانستان، مروراً بسوريا والعراق.

ويبدو بقاء المجتمع الدولي، عاجزاً عن الفعل، متفرّجاً ومتغاضياً عما يدور في المنطقة، هو في الحقيقة شريك في اطلاق الفوضى ودفعها نحو تنظيم اتجاهاتها، بما يخدم إعادة التكوين السياسي والاجتماعي، وهذا لايمكن انجازه في عقود طويلة، وبمزيد من المذابح التي يبشر بها تطور الوضع، وتدفق المال والسلاح والمقاتلين في المنطقة، يقابله تصلب الديكتاتوريات، وتنامي التشدد الذي لن يبق على الإطلاق حبيس الجغرافيا، بما يحمله من عقيدة، ويضمره من خطط وأفكار.

ان الفوضى المنظمة التي تجتاح المنطقة، من شأنها إنهاك القوى عبر حروب طويلة، واستنزاف كل القوى والموارد، وغياب الاستقرار لسنوات طوال .

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s