هدنة غير عادلة ونظام يهجّر شعبه !

  

لا أعتقد أن مايحصل من تطورات ميدانية على الأرض في سوريا، هو مفاجئ أو غير متوقع، وخاصة اتفاق الهدنة الأخير وخروج المقاتلين من حمص. وإن كان المشهد الى حدّ ما بكل الألم يعيدنا الى خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، إثر اجتياح 1982.

لاتبدو العمليات العسكرية السورية، في استعادة المناطق وفرض الحصار على المدن والبلدات والأحياء، بعيداً عن الخطط الإسرائيلية الممنهجة التي قادت إلى اخراج الفلسطينيين ومن ثم المقاومة من مواقع سكناهم وتمركزهم داخل فلسطين وفي مطارح الشتات. فالأسلوب الذي اتخذته دمشق يستلهم رؤية احتلالية، لاشك فيها، فالأداء الذي نفذت به خططها، لاينبئ عن تصور وطني لاستعادة مناطق خرجت بشكل أو بآخر عن مركزية سيطرة النظام، ولدت من الحاجة لإخضاعها مرة أخرى، في إطار الإستعداد للحظة فاصلة في تحدي المجتمع الدولي، تتمثل بالإستحقاق الرئاسي.

الرؤية الإحتلالية وفرض اجراءات تقود الى الإخلاء، ناجمة عن شراكة  استراتيجية وجوهرية لنظام الأسد مع ملالي طهران، الذين يدير قادتهم معركة  الإخضاع والإتباع على الأرض السورية، كانت قد تطورت تدريجياً على محاور ومراحل ومناطق عدّة، من ريف دمشق حيث المعضمية  وداريا مثالاً، الى حمص، ومخيم اليرموك، استخدم فيها النظام سلاح التجويع بصورة أساسية، وفريدة من نوعها، بحيث أحكم الإغلاق وتمكن من منع الغذاء والدواء، عن الأهالي، دون أي التزام بقرارات المجتمع الدولي  ونداءاته المتكررة لفتح ممرات آمنة للقوافل الانسانية، وخاصة قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2139 الصادر بعد انتهاء جولة التفاوض الثانية لجنيف 2، متضمناً ثلاثة مطالب أساسية هي رفع الحصار عن المدن والمناطق التي يحاصرها، وايقاف الهجمات والغارات على المدنيين، وتسهيل دخول القوافل الإنسانية.

لكن النظام لم يلتزم بتنفيذ مضمون القرار الذي صدر بالتوافق مع حلفاء دمشق، الأمر الذي شكل غطاء جديداً لاستمرار فرض خططها الرامية الى استعادة المناطق، مع اخلاء سكانها والمسلحين الذين يتواجدون داخلها.

ولم يتوقف عن مواصلة الهجمات الواسعة التي استهدفت المدنيين بالبراميل المتفجرة، والغازات السامة والسلاح الكيمياوي. يضاف الى ذلك  عدم  تسهيل مرور القوافل الإنسانية إلاّ باشراف النظام الذي يضع شروطاً تعجيزية يحتاج تنفيذها اتفاقات مع الأمم المتحدة، بما يعيق نجدة المناطق المنكوبة بسبب الحصار.

هدنة حمص، كشفت جملة من المعطيات الاقليمية والدولية، من أهمها ان المجتمع الدولي، وقف عاجزاً أمام إلزام النظام على تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وفي ذلك يجاري السياسة الاسرائيلية في تجاهل المجتمع الدولي، بما يتصل بقضايا الصراعات والنزاعات العربية-الاسرائيلية.

والواقع، أنها عززت الفكرة المتصلة بهشاشة مؤسسات المعارضة السورية، وفقدانها المقدرة على أمرين أساسيين هما: تحقيق اختراق يمكنها من مدّ المدن والمناطق المحاصرة بالاحتياجات الانسانية، فيما تقدم النزاع بين القوى السياسية والعسكرية، على إمكانية العمل من أجل دعم المقاتلين داخل حمص، والقيام بعمليات عسكرية تفتح ثغرة في جدار الحصار المفروض عليها، بما يقود الى توازنات جديدة تجبر النظام على تخفيف قيوده على حمص، أن لم نقل إزالتها، بالتوازي مع معركة الساحل.

الأمر الثاني يتصل أيضا بعدم الاستفادة من قرارات الامم المتحدة، في تكوين راي عام اقليمي  ودولي ضاغط على النظام، يجبره على فتح ممرات انسانية آمنة، دون دفع السكان للنزوح.

كان واضحاً أن النظام الذي بسط سيطرته على القصير وتلكلخ، ومن ثم على القلمون و يبرود والسخنة والسفيرة، انه يعدّ عدّته لاجتياح حمص بعمل عسكري واسع، مع استمرار حصاره الذي استمر 23 شهراً، ولم تستطع المعارضة تلبية النداءات التي اطلقها المحاصرون لإيقاف حملة الموت والاخضاع عبر التجويع.

لم يكن أمام أهالي حمص الذين تُركوا لوحدهم، بدٌّ من القبول بهذه الهدنة، الغير منصفة  والغير متوازنة، فالعجز الذي تتحمل تبعاته المعارضة السورية، والقوى الاقليمية والدولية، هو من يعزز فرص تقدم النظام على الأرض، ولم يتم مواجهة أي خطط، بما فيها استمرار القتل والتدمير، بأداء على المستوى الوطني بالدرجة الأولى، لازال الائتلاف والحكومة المؤقتة والأركان في حال من الفوضى، وتنازع الاختصاصات ،والمحاصصات، ما يمنع التفكير في خلق برامج وخطط فعّالة لدفع الثورة قدماً باتجاه تحقيق أهدافها، لا بل إيقاف القتل والتهجير المتواصلين، ومن ثم ايقاف مهزلة الأسد الأخيرة المتصلة بانتخابات الرئاسة، ويبدو انها تكتفي بالبيانات السياسية، بعيداً عن الفعل السياسي الذي يقود الى عزلة دولية حقيقية، لنظام يمارس الإرهاب ويغذّيه على مختلف الأصعدة.

الاشكالية المتوالدة هي معرفة مالذي يمكننا القيام به، والنظام يتقدم في انجاز خططه وبرامج عمله، في ظل مؤشرات تؤكد تراجع الثورة، مع تعتّق خلافات المعارضة وتشرذمها، وعودة سيطرة الإخوان المسلمين مرّة اخرى على صنع القرار في مؤسسات المعارضة السورية، التي تراجع دعمها لقوى الثورة الحقيقية في الداخل، لصالح أجنداتها السياسية، وولاءتها الاقليمية والدولية.

ثمة تحديات هامة، ومايجري اليوم يؤكد أننا امام مفترق طرق حاسم !

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s