“الإخوان المسلمون ” يستعيدون دورهم في الائتلاف الوطني السوري

 

                   كشفت انتخابات الهيئة السياسية مؤخراً، أن امكانية إحداث تغيير إصلاحي جاد وفعال داخل الائتلاف الوطني، ليس صعباً فقط، بل غير ممكن في المدى المنظور، وفقاً للمعطيات المتوافرة اليوم، يضاف الى ذلك أن مناقشة وضع الحكومة بما فيها حجب الثقة لن يمرّ دون تعقيدات متشعبة، قد لاتؤدي الى نتائج مرضية للطرف الذي دفع نحو الإطاحة برئيس الحومة المؤقتة الدكتور أحمد طعمة، على الرغم من عدم قدرة الحكومة المؤقتة على القيام بمهامها، شأنها في ذلك مثل الائتلاف والأركان.

والواقع أنه بعد خلافات ومناقشات معقدة، فيما سمي استجواباً للحكومة، أُقصي طعمة ليذهب مثلما أتى نتيجة لعمليات التجاذب الاقليمي، والارتهان لتيارات وقوى دون أخرى. وفي المرّة السابقة، حين أجبر غسان هيتو على تقديم استقالته لم تستطع حركة الاخوان المسلمين الحفاظ على مرشحها الحكومي، كشخص، لكنها حافظت على الموقع، أن يترأس الحكومة المؤقتة من يواليها، إن لم يكن أحد أعضائها. جاء طعمة من المجالس المحلية، دون خبرة إدارية تذكر، توافقياً بين الأطراف السورية التي لم تقبل بفرض هيتو، بالطريقة التي انتهجها ” إخوان المعارضة ” دون أعتبار لمبدأ التشاور والمشاركة.

بنية عاجزة

لم تستطع حكومة طعمة المؤقتة، أن تحقق انجازاً يؤكد حضورها كمؤسسة تنفيذية للمعارضة السورية، وبالطبع لم تعزز فكرة ضرورة وجودها، ومقدرتها على تقديم خدماتها للسوريين. ومنذ البدء شاب تشكيل الحكومة الذي امتد لشهرين التدخلات الإقليمية ومنطق المحاصصة الذي اتبعته قوى الإئتلاف الوطني، في الاستحواذ على مقاعد وزارية، ليتنامى بذلك الصراع على المقاعد في ظل غياب التنافس على استراتيجيات العمل. اختيرت الحكومة، بناء على خليط من المعايير ” العرقية والدينية والمذهبية والمناطقية ” والولاءات السياسية الخارجية.

نال “الديمقراطيون” مقعداً مهماً في الحكومة، فيما استحوذ الإخوان المسلمون على صناعة القرار ومقاعد وزارية وحصة واسعة الطيف من المديرين العامين والمستشارين، وجيش الموظفين. ولم يكن أداء رئيس الحكومة المؤقتة أو طاقمه، يرتقي الى حجم المسؤوليات الملقاة على كاهلها. كانت المظاهر تغطي فشل العمل، فيما اتسمت سياساتها بالابتعاد عن ملامسة قضايا السوريين بشكل واضح ومباشر، وحلّ القضايا المختلفة التي تعتبر جوهر عملها، وفقاً لما حملته تصريحات د.طعمة و رؤيته التي اعلن عنها إثر تكليفه بالمهمة من قبل الائتلاف الوطني.

كانت القاعدة الأساسية انها حكومة تعمل لتأمين الخدمات العامة التي تساعد المواطنين، في المناطق المحررة من الشمال السوري، وسد احتياجاتهم المختلفة، وفرض الأمن والسيطرة على المعابر، وادارة اقتصاديات المنطقة، واستثمار الموارد الطبيعية. وبالطبع بسط سيادتها على المناطق المحررة، وإدارة ملفات السوريين اللاجئين في المخيمات ودول الجوار.

ولكن سرعان ما تبخرت تلك المهام، على وقع خطوات الحكومة العشوائية والمزاجية التي تخدم تيارات معينة ومناطق محددة ظهرت جلية في قراراتها ومشاريعها. في التربية والصحة والمشروعات الاستثمارية. يمكننا اعطاء مثال واحد هو ” هيئة الرقابة ” التي عهد بها – بناء على توصيةٍ خاصة- لمن قام بتشكيل أعضائها جميعاً من بلدة واحدة! هذا نموذج لما يمكن أن نستشف به طريقة عمل الحكومة المؤقتة للثورة السورية. بل إن حكومة طعمة لم تقبل بالتواصل والعمل والتنسيق مع القوى المدنية الفعّالة الحقيقية الجامعة في بعض المناطق مثل الرقة، أول مركز محافظة ” محررة ” بالكامل.

الشواهد على فساد دوائر الحكومة المؤقتة كثيرة، لستُ بصدد توصيفها، لكن الفساد هو نتاج – في الحقيقة – للبيئة الحاضنة و المكونة ليس للحكومة فقط، بل للائتلاف الوطني..وغيرهما من مؤسسات المعارضة. لايعني ذلك المساس بأشخاص، بل بأساليب اتبعتها الحكومة سواء أكانت سياسات مخططة أم عشوائية، ام ارتجالية. والفساد الذي نعنيه لايقصد به ” سرقة المال ” . لكن اتخاذ قرار غير سليم ، أو يصب في خدمة مجموعة ما او تيار، او توظيف دون معايير، أو صرف أموال لمشاريع بغير جدوى حقيقية، أو استخدام الوظيفة العامة وادواتها في خدمة ” الخاص ” هي فساد إداري .

أهم ملامح العجز هو في ادارة البلديات والمجالس المحلية، ومن ثم أدى ذلك الى نتيجة أكثر خيبة، هو عدم قدرة الحكومة على ملء الفراغ الاداري، الى جانب فشل الائتلاف في ملء الفراغ السياسي، في المناطق “المحررة”، مما شكل ظروفاً ملائمة لنشوء الجماعات الاسلامية المسلحة المتطرفة، واستيلائها على المناطق  والتوسع عبرها تدريجياً.

مواقف الغرب

المسألة الأخرى أن الحكومة المؤقتة التي يُشار إلى أنها أضحت تمتلك شبكة علاقات دولية ” جيدة “، كانت مثار تهكم دولي، بسبب فقدان الفاعلية، في إشارة لحديث أوباما عن ” أطباء الاسنان والمزارعين ” الذين يتصدون لقيادة الثورة السورية. لاتخص الإشارة لطعمة وحده، هناك آخرون مثاله. فالحكومة لم تتمكن من حشد التأييد الدولي للقضية السورية، ولم يكن ذلك جزءاً من مهامها، في الأصل. بالمقابل فإن مسؤولياتها عن عدم القدرة في الحصول على دعم عسكري، باعتبار وزارة الدفاع جزء منها، هي مسؤولية انعكست سلباً في الحفاظ على مناطق احتلتها داعش. وكان يمكن للتخطيط العسكري السليم وتأمين العتاد والدعم السياسي واللوجستي اللازمين أن يحققا نجاحات مهمة في كل من دير الزور والرقة وبادية الحسكة.

والواقع أن مانقل عن تحذير دول غربية من المساس بالحكومة، لايمكن الأخذ به بشكل جدي، فالحكومات الغربية الصديقة للثورة السورية، ليست جادة الى الدرجة التي تكون فيه حريصة على خيارات السوريين. هذه التحذيرات، التي تصبّ في مصلحة الاخوان وطعمة،  تشكل تدخلاً مباشراً في القرار الوطني للمعارضة، الأجدر بمن يسوقها اليوم، أن يعترض على ذلك.

لن يستطيع الائتلاف الوطني اليوم، اختيار بديل سريع عن الدكتور احمد طعمة، في ظل اشكالياته المعقدة، وتنازع الإرادات بين مجموعتي “الجربا والصباغ” و ” كيلو وطعمة”.اللافت هنا أن الإخوان لم يستخدموا نفوذهم كفاية لإنقاذ طعمة، والثمن بالطبع هو استعادة الموقع والدور الأكثر فاعلية داخل الإئتلاف، من خلال وجودهم في الهيئة السياسية، كأعضاء مؤثرين، وتسلم نذيرالحكيم أمانة السر، بعد تراجع وخفوت دور الكتلة الديمقراطية، التي كان الهدف الأساسي من انضمامها الى الائتلاف هو خلق التوازن بين مكونات المؤسسة الممثلة للسوريين، كما يفترض، بما يسبغ عليها شرعية التمثيل.

دوافع وظيفية

في الجوهر، أعتقد أن انشاء الائتلاف ومكوناته التابعة ( الحكومة المؤقتة والأركان )، جاء تعبيراً عن الحاجة الى مؤسسة موحدة ومتماسكة للمعارضة السورية، تخدم رؤية أساسية تتصل بإيجاد حل، عرفت فيما بعد بمفاوضات جنيف 2. كانت وظيفتها المشاركة في عملية التفاوض التي كان من المفترض أن تقود الى تسوية سياسية على قاعدة الشراكة بين النظام والمعارضة، وتلك تستوجب وجود مؤسسات سياسية وتنفيذية لدى المعارضة، تمهيداً للمرحلة الانتقالية. فشل جولتي التفاوض، أربك المسعى الدولي، فتراجعت حالة التفاوض خلفاً، مع معطيين أساسيين هما أن النظام لم يكن كعادته جاداً في التفاوض، لأنه لايريد التنازل عن السلطة مهما كان الأمر. والثاني: أن المعارضة/ الائتلاف لم يكن جاهزاً للانخراط بعملية التفاوض، وليس في استراتيجيته التوصل الى تسوية حقيقية، لأنه لايمتلك قدرة اتخاذ القرار ومسؤولية التطبيق، بالنظر الى كل المشكلات التي تحيط به، سواء لضعف تأثيره على قوى العمل المسلح على الأرض، أو نتيجة للخلافات العميقة بين مكونات الائتلاف، وعدم أهلية الفريق المفاوض.

الحكومة المؤقتة، افتقدت كل أدوار ومبررات وجودها. لذلك لم تمتلك أي دعم حقيقي وفعال، ولم يلمس السوريون نتائج خططها وبرامجها. في الغالب تكتفي الحكومة ووزاراتها التشبّه بوزراء الأسد، من حيث التعيين والمستشارين والمدافعين عنها على شبكات التواصل الاجتماعي، وابراز صور الاستعراضات، التي تسوق أي منجز لصالح اشخاص. مع الاشارة الى ان تلك المنجزات كانت بمثابة خطط الدعم التي تقدمها بعض الدول للسوريين، فأصبحت الحكومة المؤقتة هي ” القناة ” لابراز ذلك الدعم على صورة انجازات، وفي مقدمها زيارات المجاملة!

لانريد أن نبخس المعارضة السورية ومؤسساتها “الحكومة المؤقتة” حقها شيئاً قدّمته ( إن كان ثمة مايذكر!) غير أن دلائل عدم القدرة على تقديم ماهو مطلوب منها، لايمكن القفز فوقه، من أهم علائم ذلك فشلها في إدارتها للمناطق ” المحررة “..ولاتقف عند اختيار الوزراء وطواقمهم.

ومن المهم جداً، اذا كان الائتلاف الوطني – وفقاً لرئيسه هادي البحرة، ولمبادرة ( نصر الحريري) – جاداً في الاصلاح، فيجب أن يشمل ذلك الغاء الحكومة المؤقتة، وتحويلها الى هيئة تنفيذية عامة، يكون عملها ميدانياً في الداخل السوري. لاحاجة لمظاهر الاستعلاء الاستوزاري الذي مارسته الحكومة المؤقتة على شعب منكوب جريح ومشرد..دون أن تكون قادرة على مساندته.

في سلّم الأولويات المراجعة الشاملة ليس فقط لأداء الحكومة المؤقتة، من قبل هيئة رقابة مستقلة ونزيهة وشفافة، بل ان يشمل كذلك كافة مؤسسات المعارضة وإعادة بنائها مجدداً وفق استراتيجية عمل تأخذ في الاعتبار المتغيرات المتسارعة في المنطقة، بما يقود الى اسقاط النظام وانجاز تسوية وطنية في سوريا.

لقد استعادت حركة الاخوان المسلمين دورها في الائتلاف الوطني، نتيجة ضعف المكونات الأخرى وانشغالها بالصراعات الداخلية، وهو أمر لابد سينعكس سلباً على أحلام السوريين في الخروج من عنق الزجاجة، بعد أن منيت تجربة الاخوان في مصر بالفشل الذريع، وأدرجت حركة الاخوان المسلمين كتنظيم محظور، في قائمة التنظيمات الارهابية. ولم تستطع بحكم رؤية التفرد والتسلط أن تعيد بناء علاقات ايجابية مع المعارضة السورية على جميع المستويات، وتميزت بالعمل كجزيرة منعزلة في الواقع السوري، السياسي والعسكري، وكان لسياساتها في العمل الميداني ونشر السلاح وانشاء الدروع بالطريقة المعروفة، أثراً سلبياً على الجيش الحرّ، كما كانت رؤاها وأنشطتها السياسية معيقاً للمجلس الوطني ومن ثم للائتلاف الوطني، الذي لن يحقق مع تسلم الإخوان مواقع أساسية (الأمانة العامة والهيئة السياسية) أي تطور بنيوي على صعيد إصلاح مؤسسات المعارضة، أو التفاوض على التسوية السياسية، أو في دعم القوى العسكرية على الأرض، سواء عبر استجرار الدعم الدولي  والإقليمي، أو في الإفراج عن السلاح والمال المخزّن، أو بتعبير آخر ” المجنّب لاستحقاقات مستقبلية ” في ظل سعي الاخوان الى السيطرة الكاملة على مفاصل المعارضة، كما هدفها في الوصول الى حكم سوريا في الثمانينيات..وفي الغد.

_______________________________________________

 

كلنا شركاء              http://www.all4syria.info/Archive/159058

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s