الأسد و داعش والنزوح العظيم

عشرات آلاف النازحين من كوباني/عين العرب

 تصدر نظام الأسد المشهد الإجرامي في قتل السوريين، واستهدافهم حيثما كانوا، وتدمير بيوتهم، ودفعهم للنزوح والهجرة عن أحيائهم وبلداتهم وأماكن سكناهم، داخل الوطن السوري، وإلى ماوراء الحدود، بصورة لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلاً لها، وقد نجح في تفخيخ المجتمع، وتعميق حدّة الانقسام والتشظي، بين المكونات الوطنية، ما خلق بيئة متفاعلة مع الفتنة بكل أوجهها وصورها، لدرجة أضحت فيها الاستجابة لها واضحة، وتحقق أهدافاً مباشرة في كل مكان. ومكّن النظام لأذرعه بسط النفوذ، والسيطرة وارتكاب المجازر بدلاً عنه، وبما يصب في خدمة استمراريته كنظام يدعي محاربة الإرهاب.

المجازر التي  ترتكب اليوم في الشمال السوري على اساس عرقي، ليست بمعزل  عن احداث  راس العين قبل  عام ونصف تقريباً، وأطرافها لازالت هي التي يستخدمها أطراف الصراعات المتعددة الجوانب  والأهداف  في المنطقة، عرباً وكرداً، اسلاميون ومدنيون. أساسها تقويض أي حالة استقرار، أو مناطق توافق آمنة، بين مكونات المنطقة. ودفع الجميع نحو الاقتتال الدامي، على الوجود، وعلى المكتسبات، وعلى الانحياز للهويات الوطنية والقومية. ليست هذه السياسة، سوى نتاج استراتيجية نظام الأسد، الذي قلّص أو انسحب من هذه المنطقة عسكرياً، لتبقى مجموعاته قادرة على تنفيذ مخطط التفتيت الفئوي والعرقي، حتى داخل المكوّن الواحد، وما كان له أن ينجح – حتى الآن – لولا غياب العمل المشترك والتفاهم، الذي يمكن للمجتمعات المحلية والمكونات السياسية، أن تحققه فيما بينها على قاعدة المصالح المشتركة، يضاف الى ذلك الولاءات المافوق وطنية التي ارتهنت بها جميع الأطراف لقوى خارجية.

يتعاظم الشرخ اليوم، مع قيام تنظيم الدولة الاسلامية الإرهابي، باجتياح القرى الكوردية الممتدة مابين تل ابيض وعين العرب / كوباني، وحولهما والقيام بمجازر بشعة، ضد سكانها المدنيين، في مواجهة تستهدف بسط السيطرة على المنطقة الحدودية كاملة، وكذلك اخماد الحراك المدني ذي التجربة المهمة في حقيقة المر داخل مدينة كوباني / عين العرب، والتي تعتبر مثالأص ايجابياً للإدارة المدنية الذاتية.

ولم تكتف داعش بذلك، وانما قامت بدفع آلاف الأهالي، خاصة النساء والأطفال والشيوخ، للفرار من جحيم همجية الإرهابيين الذين يستبيحون كل شئ.

كوباني، تعرضت قبل أشهر، لهجوم داعش، واطبقت عليها حصاراً شديداً، نتيجة لدعم ومساندة ثوار الرقة الذين يخوضون معارك ضد داعش منذ ماقيبل إعلان دولة الخلافة في تموز/يوليو الماضي. والواقع أن كوباني/ عين العرب شكلت ملاذاً آمناً وداعماً لثوار الرقة، ما مكنهم  من اعادة تجميع قدراتهم. ولم يؤخذ أمر حماية المنطقة  من تمدد داعش باتجاهها وهو امر كان قائم الاحتمال في ضوء المعارك التي تخوضها داعش للاستيلاء والتمدد على كامل المنطقة الشمالية  حتى شمال غرب حلب.

لكن داعش التي أوهمت الأكراد بأنها لن تستهدف مناطقهم، اجتاحت المنطقة فيما يشبه عملية تبادلية لارتكاب المجازر، إثر  ماتعرض له حيّ غويران في الحسكة، وقرى تل حميس جنوب القامشلي، تم خلالها تصفية المدنيين وتهجير الأهالي، واليوم تمكن النظام استعادة السيطرة على حيّ غويران بمساعدة من قوات الحماية الشعبية التي نفذت تللك المجازر وعمليات التهجير.

لكن هجوم داعش في الواقع ليست رداً على ذلك، وهي تاتي ضمن سلسلة هجمات تعرضت لها القرى الكوردية بشكل خاص في منطقة تل ابيض، من قبل. كما تتعرض المناطق و القرى العربية، لاضطهاد داعش، وإن كان بدرجة أقل. لكن الوحشية هي ذاتها، والجريمة المتكئة الى سياسة البطش والقتل هي ذاتها التي ترتكبها داعش اليوم ومن قبلها جبهة النصرة في المنطقة الشمالية السورية.

ثمة هدف أساسي لما تقوم به داعش في كوباني/عين العرب، يتصل بوظيفة هذا التنظيم السياسي الإرهابي، وهي السعي لإثارة الرأي العام الغربي وصناع القرار، تجاه ما يعتبر جرائم ابادة وتهجير ضد مناطق اقليّات تقوم بها داعش، في ظل عجز الغرب حتى الآن عن التعاطي مع ماترتكبه في سوريا من فظائع، سعيّاً للضغط باتجاه التعامل  مع نظام دمشق، في إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش.

ما يؤكد هذه الفرضية لوظيفة الهجوم على كوباني، هي أن نظام الأسد لم يقم بأية عمليات عسكرية، ضد داعش، لإيقاف حملتها على كوباني، بل على العكس  من ذلك، فإن غارات النظام على الرقة، طوال الأسبوعين الأخيرين، كانت تستهدف تشكيل غطاء على تحرك داعش نحو المنطقة الشمالية، لاستهداف القرى والبلدات وارتكاب المجازر بحق المدنيين.

الوضع في المنطقة سيبقى متروكاً رهناً بتطور احتمالات التدخل الدولي في محاربة داعش، ونظام السد، لن يقوم بأي عمل ضدّها  مالم يكن هناك تنسيق معه، واعتماد على الدور الذي يمكنه القيام به، بهدف إعادة تاهيل نفسه، مستفيداً في ذلك من نجاعة الموقف الروسي بإرباك الفرقاء الدوليين( اصدقاء سورية) الذين يغضون الطرف عن جرائمه اليومية البشعة.

الملفت للاهتمام، أن احداً من القوى السورية التي  نذرت نفسها لمحاربة داعش، بما فيها تجمع بركان الفرات، لم تسارع لنجدة أهالي منطقة عين العرب/ كوباني، بل وتقاعست عن القيام بواجباتها الوطنية في الدفاع عن المناطق السورية، وحماية المدنيين، وهذا يضع علامات استفهام كبيرة على حقيقة الأدوار التي تناط بمثل هذه التجمعات والتكوينات وارتهانها لأجندات اخرى.

لااستثناء لأحد من السوريين أكراداً عرباً، مسيحيين وأزيدين..كلهم في التهجير والمجازر سواء. والسكوت عن استباحة مناطق المدنيين من سنجار الى كوباني، مروراً بحي غويران و تل خليل والحاجية، هو التغاضي عن خطر يتعاظم في المنطقة، ويكبر معها تمدد القوى الإرهابية، وتعميق الإنقسام والشرخ بين السوريين عربا وكرداً، وسوف يشجع لاحقاً تمدد داعش  والنصرة نحو عفرين، وعلى قيام مجازر جديدة متبادلة في الحسكة والقامشلي بين سكانها، عبر تداخلات وممارسات كلاً من قوات الحماية، وبالطبع البي ي دي، وداعش والنصرة، ونظام الأسد الذي يعيد تمركزه اليوم في حيّ غويران.

المشهد أكثر من قاتم، ورائحة الدم، تجلب مزيداً من الآلام والفواجع. والسوريون أضحت حياتهم منذورة للموت والنزوح العظيم، الذي لم تثر صوره المرّة أياً من قادة العمل السوري، أو المجتمع الدولي لنصرة المدنيين وحمايتهم. السوريون منذورن للغياب المقدس في الأقاصي..بعيدأ عن أحلامهم ويوميات ترابهم وخبزهم.

*مدير مركز الدراسات المتوسطية

رابط المقال على الحوار المتمدن

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=434880

الرائد نيوز

موقع كورد سوريا

http://www.syriakurds.com/index.php?option=com_content&view=article&id=28865:2014-09-30-12-24-45&catid=50:2011-10-14-20-37-42&Itemid=62

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s