التحالف الدولي: البوصلة الغامضة

لا شئ يمكن فهمه حتى اليوم، من استراتيجية التحالف الدولي في محاربة داعش والنصرة. مع مرور أكثر من شهر على عملياته التي تستهدف مواقعها وتجمعاتها في سوريا. أضحى المشهد اكثر تعقيدا ودموية من قبل. بما يعكس مصالحها، فإن واشنطن تدير عملياتها وفقاً  لسياساتها المتصلة بمحاربة الارهاب على المستوى العالمي، وخاصة تلك القوى التي تستند الى مشروعات تعتبرها الولايات المتحدة تهديداُ لأمنها القومي، ولمصالحها عبر العالم، والقاعدة، وتجلياتها المتمثلة اليوم بجبهة النصرة والدولة الاسلامية ” داعش ” في مقدمتها، بما أعلنته عن مشروع يستند الى رؤية سياسية ودينية، وتمدد جغرافي وقوة عسكرية.

لقد أخذت الخلافات والتباينات في المواقف، بين مختلف الأطراف الاقليمية والدولية، والمكونات الوطنية، تظهر على السطح بصورة مشبعة بالغموض والفوضى. تطور الأحداث على الجانب السوري، لايظهر نهجاً مماثلاً عما ترمي إليه استراتيجية التحالف الدولي في العراق، حيث تتراكم الجهود الأميركية وحلفائها لمحاصرة داعش، وتقليص نفوذها في العراق بصورة ممنهجة، ووثيقة التعاون والاعتماد على القوى المناهضة لدولة الخلافة الاسلامية.

تستند واشنطن – كمحرك أساسي للتحالف – على الدعم والتنسيق مع ثلاثة أطراف أساسية على الساحة العراقية، لتنفيذ استراتيجاتها هي حكومة بغداد، والعشائر، واقليم كردستان العراق. وشمل التعاون التسليح والتدريب، مع انطلاق الضربات الجوية التي ترافقت – الى حدّ ما – مع عمليات عسكرية على الأرض في مناطق عراقية مختلفة، لم يستطع الجيش العراقي فيها احراز أي نجاح لوقف تقدم داعش، خاصة في الأنبار. سبق ذلك تدخلاً أمريكياً قاد الى تسوية الأزمة السياسية في البلاد، قضت بإزاحة المالكي، وفتح آفاق المشاركة الفعاّلة – كما يفترض – أمام القوى العراقية ” السنية ” المقصاة عن الحكم.

بيد أن تلك الصورة من الجهد الأمريكي في محاربة الارهاب في سورية، غير موجودة، هي ليست غير ممكنة، ولكن ثمة معطيات اساسية، تحول دون تطبيقها، كملامح استراتيجية عامة، مع ملاحظة أوجه التباين والتوافق في المشهدين السوري والعراقي. حتى الآن لم تنجح خطط واشنطن ولندن في ايقاف حركة التمدد والقتال الداعشي في مناطق سيطرتها، وبالتالي تحجيمها.

في سوريا، جميع الخبراء والقادة السياسيين، في المنطقة يشددون أن الغموض الذي يكتنف عمليات التحالف يؤكد تغييباً أمريكياً متعمداً لخطط قادة التحالف بشأن محاربة الإرهاب إن كان على مستوى مرحلي أو مستقبلي، يتضمن الأطراف المنخرطة فيه ووسائله، وتصورات ملء الفراغ الذي يمكن ان يتحقق. من الواضح جداً أن عمليات التحالف العسكرية لا يمكن أن تقود الى نتائج أياً كانت، في ظل عدم جاهزية أطراف يمكنها أن تستفيد من الضربات الجوية، لتحقيق خطوات على الأرض، حيث يمكن  فعلياً محاربة الإرهاب. يضاف إلى أن عمليات محاربة الارهاب، حتى الآن ليست معنية بإزالة اسباب نشوئه واستفحاله، الرئيس الأمريكي باراك اوباما في معرض ردّه على سؤال حول اسقاط نظام الأسد قال إن الأولوية هي لمكافحة الارهاب، من هنا تتعزز فكرة الغموض.

حرب داعش على عين العرب/ كوباني، كمثال، كشفت الغطاء، ليس كما يعتقد أنه غياب للاستراتيجيات، أو – ربما- عدم إعلانها  في أحسن الأحوال،  بل كشف عمق التخبط الدولي وعجزه، عن مواجهة التحديات الكبرى، التي يعتقد أن التحالف من مهمته الأساسية التصدي لها. لكن الاختلاف  في المصالح من الطبيعي أن يقود الى التباين في التوجهات وفي الأفكار، حول  ما هو قائم، فيما يدفع السوريون في كوباني/ عين العرب وغيرها من مناطق سيطرة داعش والنصرة، أكلافاً باهظة لخلافات دول التحالف، وقد تحولت حالة عين العرب الى معركة أولويات ومصالح وإرادات بين تركيا، وكل من الولايات المتحدة وإيران وحزب العمال الكردستاني.

في هذا السياق، يبدو تغييب الأطراف السورية عن أيّ من مستويات التنسيق، كما لو انه متعمداً، لكنه يوضح مسألتين أساسيتين أولاهما أن المعارضة ليست قادرة على امتلاك زمام المبارة في صناعة قرارها الوطني، وأنها لم تثبت جدارة ما لكي تكون شريكاً في العمل الدولي، لإيقاف القتل في الحدّ الأدنى، وإرغام النظام للذهاب التي تسوية تقود تغييره” هيئة حكم انتقالية”. والمسألة الثانية أن القرار الوطني برمته ليس بيد أي من الأطراف السورية، وتطورات الأحداث تؤكد على الصراعات الاقليمية والدولية في المنطقة على الاستحواذ بالملف السوري: تركيا نموذجاً، بما لها من مصالح وأهداف، تتقدم على الأطراف الأخرى.

مهما يكن حال المعارضة السورية، فإن عدم التنسيق معها، يكشف رغبة المجتمع الدولي، القيام بحربه العالمية التي يشنها منذ عقدين ضد الارهاب في العالم، وأن مصالح السوريين، بعيدة عن استراتيجيات الدول الكبرى المتفردة بإدارة ملفات وقضايا مناطق الصراع الدولي وفي مقدمتها الشرق الأوسط. الولايات المتحدة تشدد على ان استراتيجتها هي لمحاربة داعش في العراق، أما في سورية فإنها تتصل بإضعاف تنظيم الدولة فحسب. من هنا يمكننا إعادة قراءة استراتيجية التحالف وعملياته التي لم تستطع تحقيق انجاز يذكر حتى اليوم، على الرغم من استعراض القوة الذي استهدف ايضاً مدنيين ومصالح حيوية تتصل بحياة السوريين وقوت يومهم، ليضاف خراب آخر، لما يقوم به النظام منذ أربع سنوات.

_______________

نشر في جريدة الأيام http://ayyam.org/home/?p=120005

موقع اتحاد الديمقراطيين http://sdu-syria.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%88%D8%B5%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B6%D8%A9-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%B9/

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s