التحالف الدولي و المراوحة في الحالة السورية

 

موافقة الكونغرس الأميركي، على مشروع قرار يسمح بتدريب مقاتلي المعارضة السورية، يمكن قراءته على أكثر من وجه، أولاها الانقسام الحادّ والواضح داخل الادارة الأمريكية، بشأن دعم المعارضة التي يرى فيها جزء أساسي  من أعضاء الكونجرس، أنها ” غير  معتدلة ” وبالتالي ان دعمها هو بشكل  ما دعم للتيارات الجهادية الارهابية في سورية. قد لاتعكس  تلك الرؤية حقيقة المشهد كاملاً ودقيقاً، غير أنها أسلامية الهوية والخطاب.

الأمر الآخر هو خطط الولايات المتحدة، والتحالف الدولي، كانت واضحة الاتجاه نحو محاربة داعش  في  العراق، بالقدر الذي شابها الغموض فيما يتصل بتوجيه ضربات لها في سورية. والواقع إن المعارضة هشة، والغرب ليست لديه نيّة حقيقة في ازاحة بشار الأسد حتى اليوم.

الرئيس الامريكي باراك أوباما، كان واضحاً وأميناً في التعبير عن توجهات السياسة الخارجية التي أعلن عنها قبل عدّة أشهر، والتي تتلخص في النأي عن الإنخرط في عمل عسكري خارجي، وأن تعمل على التوازن في حل القضايا الدولية، مابين مصالح الولايات المتحدة، ومهمتها ومسؤولياتها في الإطار الدولي. ووفقاً لذلك فإن استراتيجية البيت الأبيض لمحاربة داعش، كما وردت في الخطاب لم تخرج عن هذا السياق.

 

لاشك في أن ثمة خطط عمل  وضعها خبراء استراتيجيون، تأخذ طريقها بعيداً عن الدبلوماسية والإعلام، وما اعلنه اوباما كان قد رشحت نقاطه الأساسية، فلم يكن ثمة جديد للمتابعين، ولم يضف شيئاً، فيما يمكن اعتباره خطاب استعادة الاستشعار بالقوة الأميركية القادرة على “الفعل الحاسم” في اللحظة المناسبة، مشيراً بذلك الى أي عدوان محتمل من داعش، شقيقة القاعدة- كما لاحظ أوباما – دون أن يقول أنها القاعدة ذاتها التي استهدفت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، لكنها بثوب جديد. داعش تنظيم سياسي ارهابي، وليست دولة اسلامية، لكنه لم يكن مصيباً حين رأى أنها ” بلا فكر ولا رؤية ” هذه المغالطة تحرف السياسات المنبية على أساسها، وبالتالي يكون الأداء غير ذي جدوى.

رسالة أوباما، عشية ذكرى هجمات سبتمبر، تبدو مفيدة للأميركيين، وإن كانت موجهة للخارج، لكن المعنيين في الشرق الأوسط، جميع الأطراف، لم تجد في ” الاستراتيجية ” ما يلبي طموحاتها ورغباتها، فجاء مخيباً للآمال. لكنه لم يكن صادماً فقد أصبح سلوك الادارة الأميركية  واضحاً تماما فيما يتصل  بالحالة السورية، التحالف الدولي موجه بدرجة أساسية لمحاربة داعش في العراق، هناك ثمة مشروع اميركي لم ينته بعدـ وتحرص واشنطن على إنعاشه كلما فقد التوازن.

 

من الخطأ الاستمرار في التعويل على دور أمريكي، راهناً وفي المستقبل بشأن الوضع في سورية، سواء فيما يتصل بداعش أو بالنظام السوري الذي يواصل ارتكاب المجازر اليومية، تحت غطاء دولي هذه المرة استجابة لقرار مجلس الأمن الدولي المتصل بمحاربة داعش، بالتنسيق مع واشنطن او بدونها، مع وجود دلائل تعزز من استعادة التنسيق الأمني بين الطرفين، وإن كان بمستويات محدودة. لم يحمل خطاب أوباما أي إحالة لاحتمال محاربة داعش في سورية بصورة فعالة، وكأنه اوكل الأمر للنظام وللمجموعات العسكرية المتناثرة والمتشظية في سورية، بما لديها من قدرات ضعيفة، لاتمكنها من خوض معارك حقيقية، خاصة إذا اضطرت داعش للانسحاب باتجاه سورية والتموضع فيها، إذا ماكانت الضربات ( التحالف ) موجعة حقاً.

 

كانت البوصلة الامريكية واضحة، النظام غير مؤهل للمشاركة في التحالف، ولكن يمكن التعامل معه، رغم فقدانه الشرعية، التي يمكن للنظام استعادتها إذا ما انخرط في عملية تسوية تسعى إليها واشنطن على المدى البعيد. ومن هنا يمكننا فهم تصريحات بان كي مون ” يمكن لنظام الأسد أن يكون مؤهلاً لمحاربة الإرهاب، في التحالف شريطة التزامه بالتسوية”. لكن المركيز دي ميستورا كان أكثر  وضوحاً بعد محادثات اليوم الأول في دمشق: الأولوية لمحاربة الإرهاب. وإذا كان النظام سارع التزامه بتنفيذ القرار الدولي، فإنه قادر على الاستفادة القصوى من عزوف الولايات المتحدة عن دعم المعارضة السورية، من جهة، ومن تمهلها في ضرب داعش في الأراضي السورية، الأمر في حقيقته لا يتصل بموافقة دمشق أو التفاوض  المباشر، بقدر مايمت الأمر بصلة لكل طهران وموسكو، ودورهما الاقليمي في الحالة السورية التي تلعب فيها ايران دوراً عسكرياً وأمنياً دموياً في سوريا.

 

احتمالات تقديم الدعم للمعارضة السورية،  على الرغم من تبني قرارا في الكونجرس الامريكي، تبقى في الحقيقة رهناً بقدرة المعارضة على اعادة بناء الجيش الحر، أو ما تبقى منه، عبر انشاء قيادة موحدة تلتزم بها كافة القوى المسلحة العسكرية على الأرض، ويوّجه قدراتها نحو التصدي لداعش، وتفكيك وجودها في سورية. وعلى رغم أن هذا واحد من اهم المطالب الأميركية، فإن احتمال تحقيقه سيمر بالكثير من العقبات، اهمها استعداد تلك الجماعات العسكرية للتنازل عن التحكم بقرار القيادة منفردة، لصالح قيادة جماعية موحدة، ويندرج في أطار ذلك فقدان السيطرة على المال والسلاح والمقاتلين، وبالطبع تغير اتجاه التمويلات التي تتلقاها نحو القيادة المشتركة أو العامة.

هذه المجموعات تتسابق اليوم لإعلان اعتدالها، فيما يتقدم الائتلاف الوطني، خطوة نحو توجهات واشنطن، بلإعلان دعمه للتحالف، والمشاركة في مواجهة داعش، دون أن يمتلك شيئاً على الأرض، و دون أن يكون شريكاً حتى الآن في أية استراتيجياتٍ وتحالفات تنشأ بين الاطراف الاقليمية والدولية. فيما يبقى أمر النظام السوري بجرائمه اليومية، في سلّة أصدقاء سورية، دون أي تغيير في استراتيجيات التعامل معه لحمله على الانخراط في تسوية سياسية، يدرك جيداً أن المعارضة السورية لاتمتلك من الرؤى والاستراتيجيات، حتى الآن مايمكنها من التفاوض على انتزاع حقوق السوريين، وانهاء حقبة الاستبداد والدم.

لذلك، فإن احتمالات تدخل امريكي مباشر في سورية، لضرب داعش، ستبقى مؤجلة، إلى أن تتمخض التفاهمات والمستجدات الاقليمية، عن تغيير جوهري في قيادة العمل السياسي  والعسكري على الأرض السورية.

 نشر في:

كلنا شركاء http://all4syria.info/Archive/169320

الرائدنيوز  http://www.alraednews.com/?module=m_articles&id=10695

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s