المعارضة السورية : التنازع على الفوضى

الاسلاميون في مواجهة المعارضة السورية

تكشف التطورات الأخيرة، في الحالة السورية، خاصة على جبهة عين العرب/ كوباني، أمرين أساسيين  أولاهما مبلغ الضعف والوهن الذي وصلت إليه المعارضة السورية، على مختلف الأوجه. وثانيهما أن الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب تعمل وفقاً لاستراتيجيات منفردة، تعزز مصالحها، دون التنسيق أو التشاور في حدّه الادنى مع قوى المعارضة بشقيها السياسي والعسكري، لضمان نجاعة عملياتها في محاربة داعش و لجم تقدمها، والوضع في عين العرب/ كوباني مثال على الغموض الذي لاتزال تنتهجه واشنطن في مواقفها المتناقضة والغير مستعجلة احياناً، بين وضع الكرة في الملعب التركي، وتسليح الأكراد المفاجئ، ما يفسر بحثها عن شريك  مفقود في المنطقة، لم تستطع مؤسسات المعارضة: الائتلاف والحكومة والأركان، أن تكون هي الشريك الموثوق.

ترافق ذلك مع سبات العمل السياسي وانحدار مؤسسات المعارضة إلى مستوى متدن، يُشعر بانتهاء وظيفتها، مع غياب كامل لأي دور يمكن أن تقوم به، بالنظر للتجاذبات الإقليمية والدولية الراعية لتيارات المعارضة من جهة، وللخلافات التي تتجذرإثر كل استحقاق، فيما بين القوى والتكتلات المكونة لمؤسسات المعارضة، وعلى الرغم من التحديات فإنها لم تتوصل الى توافق حول المشتركات، بما في ذلك التصورات بشأن المستقبل.

قادت تنازعاتها على قضايا مرحلية إجرائية الى انكفاء تدريجي لدور الائتلاف – على هشاشته – فاغتنمت حركة الإخوان المسلمين الفرصة، واستعادت سيطرتها على مفاصل المعارضة، وبالتالي الاستحواذ على صناعة القرار وتوجيه السياسات داخل الإئتلاف. بما يعطي مؤشراً حقيقياً دالّاً على انفراط العقد الواهن لتيار التوسعة (الديمقراطي ) الذي وُجد لتحقيق توازن ينهي سيطرة اليمين السوري، بسبب نزاعات فردية على مراكز القوى والقيادة، وبروز ظاهرة شراء الأصوات والفساد المالي والإداري التي شملت كل الكتل، فعجزت هذه القوى عن التقدم خطوة باتجاه مقاربة الحالة السورية الدامية.

تبّدى ذلك بوضوح في إعادة اختيار أحمد طعمة لرئاسة حكومة انتقالية، بعد إقالته من قبل الهيئة العامة للإئتلاف، بسبب فشله في ادارة الملفات الوطنية، وسوء في ممارسة الاختصاصات وتجاوزاتها، اضافة للفساد الاداري والمالي، وتبعيته المطلقة للإخوان، ومناطقيته. جرت المساومات وفقاً لتحالفات الانتقام والمصالح الآنية الضيقة، الانتقام بين أطراف سورية، وليس لذلك صلة بالاختلاف على مشروعات ورؤى للعمل الوطني السوري. فجاءت تلك الحادثة لتوضح استعلاء الاخوان المسلمين واستهتارهم بمسألة التوافق الوطني والعمل الجماعي، ومنازعتهم خلافاً لمصالح السوريين، من اجل استعادة دورهم وفرض انفسهم بالقوة” كما جرى داخل الائتلاف” تمهيداً لإعادة انتاجهم بعد الخسارات التي منيت بها في كل من مصر وليبيا واليمن، ولم تستطع بناء ثقة حقيقية مع الشارع السوري عبر مسلكيات الحركة في اليومي المعاش منذ امتطائها الثورة السورية، ولعِبِ دورٍ أساسي في أسلمتها وعسكرتها. وهو الأمر الذي قاد لاحقاً لظهورات المجموعات الاسلامية المسلحة التي ساهمت بشكل كبير في اجهاض تجارب الادارة الانتقالية، والعمل المدني، عبر الإقصاء والتهميش..وصولاً الى التشدد الذي بلور ظهور جبهة النصرة وداعش.

الواقع ان جميع قوى المعارضة المكونة للائتلاف وغيرها، وهي تتحمل جزءاً أساسياً فيما آل إليه حال السوريين، قد خسرت ما تبقى لها من مصداقية، أمام الذين ادّعت تمثيلهم ولم تتمكن من حيازة ثقتهم ، وأمام المجتمع الدولي الذي منحها اعترافاً أعرجَ، ولكنه بالمقابل لم يمتلك برامج عمل، تدفع بأصدقاء سوريا لتقديم دعم فعّال..حتى في المستوى السياسي. فجاء كل دعم مبتوراً لا يقود الى حسم أية مسألة وطنية، أو يؤدي الى تغيير جوهري في معادلة الصراع من أجل الحرية. وقد تسببت تناحرات المعارضة بتراجع في الموقف الدولي الداعم للسوريين، مقابل استمرار حلفاء دمشق بتعهداتهم، ما مكن لنظام الأسد مواصلة ارتكاب المجازر اليومية، وفرص الحصار والقصف اليومي للمدنيين، تحت مرأى ومسمع ومعرفة المجتمع الدولي الذي يغض الطرف عن ممارسات النظام، بما في ذلك الطلعات الجوية التي تشكل صورة تبادلية مع طلعات طيران الحلفاء بالتناوب.

لقد كان بوسع المعارضة السورية، اغتنام فرصة قيام تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، لدفع المجتمع الدولي لاعتبار كل القوى العسكرية الغير سورية،  ارهابية دخيلة ، تتحمل الدول الراعية لها مسؤولية منعها من عبور الحدود، وارتكاب الجرائم التي لاتقل فظاعة عن جرائم “الدولة الإسلامية” فحسب، بل تتفوق عليها. وهي حزب الله، والميليشيات الإيرانية والعراقية، أسوة بجبهة النصرة و داعش. اهدار فرصة كهذه، يماثل تماماً إضاعة الفرصة التي منحتها مفاوضات جنيف 2، لو انها ذهبت اليها وفقاً لرؤية، واستراتيجيات عمل واضحة، وتفاهم وتنسيق بين مختلف القوى والمكونات. لقداعتادت المعارضة أن لا تضع نفسها امام أية مساءلة تستهدف التقويم والتصويب، وأن تنأى عن محاسبة أعضائها المتورطين بقضايا الفساد المتعدد الأوجه. مثال ذلك: اعادة طعمة بعد حادثة اطفال اللقاح، دون اعتبار للمسؤولية الاخلاقية والقانونية، وفي ظل أخطاء حكومية عديدة خاصة في التعليم وقضية المناهج، والمنح، أيضاً مثال. يمكننا أن نضيف حالة الإرباك والفوضى والفساد وموالاة القوى الخارجية الاقليمية والدولية التي تتحكم بسياسات المعارضة بصورة مباشرة، ما يفقد الأمل لدى السوريين بأي أمل لاصلاح المعارضة كي تتوجه جدياً نحو الوصول الى حل يوقف القتل اليومي  ويصون كرامة النازح واللاجئ السوري في الحدّ الأدنى.

لا شك في أن تناحر القوى الديمقراطية وضعف حيلتها، سيمنح الاسلاميين فرصة قد لاتتكرر كتيار معارض معتدل، يمكن أن يتولى لاحقاً إدارة المناطق الغير خاضعة لسلطة النظام، بدعم قطري – تركي، إذا ما نجح التحالف فعلاً في تحجيم” داعش” ، تمهيداً لقيادة المرحلة المقبلة نحو تسوية مع النظام، ومع اسرائيل، لن يتأخر الاخوان المسلمون عنها. وسوف تجعل القوى الديمقراطية المدنية نفسها خارج دائرة الفعل في الحدث السوري الراهن، وفي المستقبل.

_____________ 

نشر في العرب / لندن http://www.alarab.co.uk/?id=36004

الحوار المتمدن http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=438528

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s