التجربة التونسية والربيع العربي

ضوء في آخر النفق، هو التعبير الأمثل والأقرب الذي يمكن أن نصف به الحالة التونسية اليوم، بما وصلت إليه من إنجاز استحقاق وطني، لاشك أنه الأمثل بجدارة، بين كل تجارب الربيع العربي التي لونها الدم والبارود. وعلى الرغم من كل العثرات التي شابت تجربة الإنتقال الديمقراطي في تونس، فإن الانتخابات الأخيرة، تعتبر مثالاً حيّاً على إمكانية العبور إلى ضفاف الخلاص، نحو إعادة البناء، والوصول الى تغيير شامل تنجزه قوى المجتمع ومكوناته التي شكلت انتفاضتها بوجه القمع والاستبداد، فاتحة الخروج على أعتى الديكتاتوريات في المنطقة العربية المتمثلة بالقذافي والأسد.

ربما يمكننا اليوم، التحدث عن نضوج في التجربة التونسية، حسب جملة  من المعطيات الأساسية ومن أهمها دور وفاعلية مؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، التي تمكنت من استعادة دورها الحيوي وتنظيم قواها، دون تلكؤ، واشتغلت على توسيع قاعدتها المجتمعية وفقاً لأسس إعادة بناء الدولة المدنية، دولة المواطنة العادلة، والاستفادة  من التجربة التي قاد فيها حزب النهضة البلاد خلال الفترة الماضية، ودراسة إشكاليات السلطة وتعثر مشروعات المشاركة في الحكم. دون أن تلجأ أي من القوى التونسية، إلى استخدام القوة ووسائلها المختلفة، مع محاولة حزب النهضة لاستخدام قوته السياسية والتنظيمية والاجتماعية..لكن أحداً لم يلجأ الى السلاح.

المجتمع التونسي، مدني الثقافة والتكوين، وهو ما جعل من فكرة التسليح غير ممكنه، وهي الميزة التي حققت معادلاً موضوعياً في التزام جميع القوى أساليب العمل السياسي في العمل الوطني، لتمثل بذلك ريادة  في التغيير، عبر صناديق الإقتراع. كان يمكن للفوضى المتربصة ان تهدم كل شئ، لولا قيمة الوعي السياسي الخلاق، والثقافة العميقة التي تغلب المصلحة الوطنية والإيمان بحق الآخر في الإختلاف وفي السلطة أيضاً، على مصالح فئة أو حزب أو عقيدة. وهو في الحقيقة ما حملته تهنئة راشد الغنوشي لنداء تونس، يضاف على ذلك مؤشرين هامين هما نسبة المشاركة الحقيقية 61.8% ونزاهة العملية الإنتخابية التي شهدت بها جميع الأطراف، إضافة الى الاتحاد الاوروبي بوصفه مراقباً لم يسجل أي اختراق يخلّ بها. ومن شان هذا الاستحقاق الدستوري أن يقود تونس الى مرحلة جديدة تتسم بالإستقرار، عبر مشاركة واسعة للأحزاب التونسية في الحكم الى جانب كل من التيارين الأساسيين نداء تونس والنهضة,

بالمقابل شهدت التجارب العربية الأخرى سفكاً للدماء واغتيالات وانقلابات وصراعات لم تنته حتى اليوم، باستثناء التجربة المصرية التي شهدت مخاضاً عسيراً بعد فشل تجربة إخوان مصر في ادارة الدولة  والمنازعات على السلطة، بما قاد إلى إقصائهم، وبدء مسار جديد فرضه تحالف العسكر مع القوى المدنية العلمانية.

وعلى خلاف الموقف الإخواني في تونس، شهدت ليبيا ولاتزال صراعاً دموياً متجدداً على السلطة، بعد ان كادت القوى المدنية إبان الفترة المؤقتة أن تنجح في قيادة البلاد نحو مرجلة جديدة من العمل الوطني الذي يحقق استقرار ليبيا، وإعادة إعمارها، و اعتبرت حينها تجربة تتجه نحو النجاح. إلا ان تدخل القوى الإسلامية المسلحة، أوقف نمو التجربة وأجهض حركة المجتمع السياسية المدنية، فدخلت ليبيا في نفق الصراعات المسلحة الذي حرّضت عليه ودعمته قوى خارجية، في محاولة لدفع إخوان ليبيا للاستيلاء على السلطة بما يمكن اعتباره تعويضاً عن سقوط تجربة إخوان مصر.

لا يختلف الوضع في اليمن، سوى في التفاصيل. وقد تمكنت تحالفات القوى الإقليمية في المنطقة، من إجهاض تجربة الحل اليمني الذي انجزته دول مجلس التعاون الخليجي، بفعل سياسة حزب الاصلاح اليمني(اخوان)، لصالح الحوثيين الذين يخوضون معارك سيطرة على مفاصل اليمن أشبه بمعارك فجر ليبيا. وتبدو إشكاليات التسلح وسيطرة القوى الإسلامية، في مقدمتها حركة الأخوان المسلمون، بما اتسمت به سياساتها بالإقصاء والتهميش وإغلاق باب الحوار والتشارك مع القوى الوطنية في إدارة المرحلة الانتقالية في بلدان الربيع العربي، هي من المسببات الرئيسة لتاخر الثورات في انجاز التغييرات التي قامت من اجلها، وفي حالة الصراعات المحلية حول السلطة، التي تكاد تاخذ طابع الحرب الأهلية مثال ليبيا واليمن.

اما في سوريا، فقد كانت التجربتان التونسية والليبية حاضرتين بقوة، في الذهنية السورية ما قبل الخامس عشر من آذار 2011، وبعد خلع بن علي ومن ثم إزاخة القذافي، تعاظمت آمال السوريين في تحقيق أهداف انتفاضتهم المطالبة بالحرية والكرامة، لكن القوى الى قفزت الى قطار الثورة، وقادته عنوة باتجاه الأسلحة  ومن ثم الأسلمة، فقد واجهت الحلّ الأمني للنظام الذي لم يتوانى عن استخدام مختلف صنوف الأسلحة بما فيها الكيمياوي لوأد الثورة، وقمع اانتفضة السوريين، فيما سعت القوى المنضوية في إطار الثورة السورية الى الاستحواذ على القرار السياسي، وضخ المال السياسي والتسليح بلا حدود، ولم يؤد ذلك الى مواجهة فعّلة للنظام بقدر تشكيل مراكز قوى تنتظر سقوط النظام، لتنقض على السلطة، دون أن يشكل التشاور والتشارك للقوى الوطنية الخرى، أهمية محورية في أي استراتيجة للمستقبل الوطني.

حركة الاخوان المسلمين في سويا، لم تستفد من دروس ليبيا ومصر واليمن، وتعتقد أن الدعم الذي تتلقاه من بعض القوى الإقليمية في المنطقة، سيحملها الى التفرد بقيادة المرحلتين “الحالية والانتقالية” في السورية.

التجربة التونسية اليوم أكثر من ضرورة ان ننظر إليها بوصفها نموذجاً إيجابياً للخروج الى عتبة المستقبل، مع الأخذ بخصوصية المجتمع السوري وتكويناته.

____________________________

نشر في العرب http://www.alarab.co.uk/?id=36700

____________

كا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s