المعارضة السورية في مهب الريح !

 

          عامان على تشكيل الائتلاف الوطني بكل مارافق ذلك من تناحر، وتوجس وشعور بالاستياء، وبالخوف من هذا الكائن الذي تأكد أنه قد ولد مشوهاً معاقاً، يبدو اليوم أنه قد دخل نفقاً طويلاً معتماً لا آخر له. فلم يستطع الائتلاف سوى تجذير الانقسام داخل المعارضة السورية، وتعميق اختلافاتها على كل المستوياتن وشكل حالة فريدة في استخدام المال السياسي، وارتهان قراره بالأطراف الاقليمية والدولية المكونة له، والمؤثرة فيه. ولم يستطع أن يكون ممثلاً حقيقياً للثورة السورية، بعد أربع سنوات على انطلاقتها.

جاءت ولادة الإئتلاف الوطني في نوفمبر 2012 في محاولة لإعادة تنظيم صفوف المعارضة، التي اعاق تشرذمها تحقيق أية انجازات فعالة على الصعيد الوطني، وفي مقدمها وضع استراتيجية بناءة للعمل، تلتزم بها كافة القوى والتيارات المكونة ىنذاك للمجلس الوطني. الاخفاقات في التوصل الى تفاهمات حول القضايا الاساسية، اصطدمت بتصورات آنية مرحلية، ومصالح حزبية، وسعي من الاستحواذ على القرار، فوصل المجلس الوطني الى مأزق، لم تستطع التوسعة التي استحدثها،أن تقوده الى بر الأمان، بل كانت مؤشراً على استمرار الاشكاليات المتصلة بالتمثيل والمحاصصة. وفي الوقت نفسه كانت ثمة جهود تبذل لإنشاء مؤسسات بديلة عن المجلس الوطني، كان الائتلاف الذي التقط الداعمون الساسيون للثورة السوريه خيوطه الأولى – أو أنهم نسجوها- الأوفر حظاً بما تلقاه من دعم سياسي ومالي اقليمي ودولي مباشر.

تضمنت تشكيلة الائتلاف، الشخصيات التي كانت تهيمن على المجلس الوطني، وتسببت الى حدّ كبير في الأزمات التي عصفت به، وكان من الطبيعي، أن تنقل هذا الإرث من المشكلات، التي لم تعمل الأطراف المعنية بشكل جدي، على إيجاد حلول لها، الى الإطار الجديد للمعارضة المتمثل بالائتلاف، يضاف إلى ذلك الطريقة التي تم فيها اختيار الأعضاء المؤسسين، بمعايير غير موضوعية، أثبتت تجربة العامين، خطأها.

تفتقد مؤسسات المعارضة، بشكل رئيس، الى استراتيجية وطنية شاملة، تجيب على أسئلة الواقع السوري، ومتطلبات المرحلة، وآليات وخطط العمل من اجل الوصول الى الأهداف الكبرى للثورة السورية، وهي الحرية واستعادة الكرامة الوطنية. عجز المجلس الوطني وكذلك الائتلاف في أي انجاز من هذا النوع، مع تغير شبه دائم لمعطيات الواقع، بما قاد الثورة بعيداً عن الوصول الى أهدافها التي قامت من اجلها. عمّت الفوضى صفوف المعارضة، وكان التشتت والشرذمة وتعدد مصادر التمويل سبباً مباشراً لذلك.

تتمحور الخلافات في مؤسسات المعارضة، حول الهيمنة عليها، والاستحواذ على مركز القرار، بما يعكس خلافات القوى الاقليمية الداعمة لكل من تيارات واطراف المعارضة. لم تكن – حتى الآن – الخلافات حول قضايا جوهرية، معنية بخطط وبرامج عمل، أو حول سياسات المعارضة، وغير ذلك. بل إن الفساد السياسي والإداري قد لحق بجميع مكونات الائتلاف بشكل خاص، تبدّى ذلك في دوارات انعقاده التي تشهد في كل مرّة الخلافات ذاتها، مع تطور الانقسام بصورة أفقية وشاقولية، أصبح معها التوافق شبه مستحيل.

أدى ذلك الى إضعاف المعارضة السورية امام نظام الأسد، الذي يعمل ككتلة واحدة، مع انصاره، وداعميه. وفي الوقت الذي يواصل فيه النظام ارتكاب المجازر اليومية بحق السوريين، كانت مؤسسات المعارضة : الائتلاف بمكوناته السياسية وهيئاته الثلاث:الحكومة المؤقتة والأركان، تفتقد الى شرعية التمثيل الثوري، الذي فشلت في الحصول عليه من الدور الذي يفترض أن تقوم به. هذه مسألة جوهرية، أطاحت بالمجلس الوطني، كما تطيح بالإئتلاف.

ما تحقق فعلياً هو انكشاف ضعف المعارضة وهشاشتها، وعدم قدرتها على القيام بأي دور على الصعيدين الوطني والدولي. محلياً خسرت مانتها التي تحققت لها مع العام الأول للثورة، بالتفاف جماهيري واسع لقوى الحراك الثوري السلمي والمسلح، فاكتسب المجلس الوطني آنذاك شرعيته الثورية، التي لم يستطع المحافظة عليها، بسبب انغماسه بالخلافات، وابتعاده عن مهامه الأساسية، وبالتالي عدم تمكنه من مواكبة تطورات الفعل في الداخل السوري، أو الاستجابة الفعالة لمتطلبات، وغياب أية برامج رافعة للنضال الوطني ضد الاستبداد.

الائتلاف الوطني منذ تشكيله، لم يحظى بالشرعية الثورية، ظل تشكيله مثار توجس وقلق، ولم يستطع أن يبني جسور التواصل مع قوى الداخل والخارج، كإطار وطني شامل وجامع لمعظم قوى المعارضة. وفي ظلّه شهدت الساحة الوطنية تفرقاً وفوضى في السلاح، التي كان المجلس الوطني، قد تغاضى عن إشراع أبوابها في ردهاته الخلفية. وفي حمّى الصراعات على العضوية، والمكاسب والمناصب،والتحالفات مع القوى الإقليمية، افتقدت مؤسسات المعارضة القدرة في اقناع المجتمع الدولي، لتعزيز دعمه السياسي والمادي للثورة السورية، ليتراجع هذا الدعم الى أدنى مستوياته، بسبب اداء الائتلاف والمجلس الوطني، دون ان نغفل الأسباب الجوهرية المتصلة بضعف أو برودة الدعم الدولي للثورة السورية، وهي أسباب تتصل ببنية المعارضة، ومستقبل الدولةن والعلاقة مع اسرائيل. يضاف الى ذلك أن القضية السورية، أضحت واحدة من تجليات الصراع الدولي في المنطقة، بما في ذلك دور ايران في المنطقة.

غير ان المعارضة السورية، بقياداتها التي لم تستطع انجاز برنامج وطني، واستراتيجية عمل واضحة ، تتحمل مسؤوليات أساسية فيما آلت إليه الأوضاع في سورية. لاشك ان نظام الأسد الإجرامي، يلعب دوراً محورياً غير مباشر، عبر أطراف إقليمية ودولية، تعمّق الإنقسام ، وعبر اشتغاله على مكونات المعارضة في الداخل السورين وسعيه الدائم الى تفتيت قواها، بكل الوسائل الممكنة وفي مقدمها القتل والتدمير والاعتقال والتهجير، فيما تقف المعارضة غير قادرة على فعل أي شئ. ويبدو النظام – حقيقة – أول واهم المستفيدين من حالة المعارضة الهشة والمتردية.

يضاف الى ذلك دخول قوى الظلامية الإسلامية المتمثلة بوجه خاص بجبهة النصرة وتنظيم الدولة الاسلامية ” داعش ” اللتين غنمتا فرص التسلح والفوضى القائمة في المناطق الغير خاضعة لسلطة النظام، لتملأ فراغاً عجز الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة عن المبادرة الى ملئه، بتولي زمام الإدارة الانتقالية، التي تتولى خدمة المجتمعات المحلية.

لاشك أن مايجري اليوم في أروقة الائتلاف الوطني من تخاصم، يعود الى عقلية التهميش والإقصاء التي تمارسها أطراف محددة، وكذلك الى غياب الفهم الحقيقي لجوهر الممارسة الديمقراطية، في ظل سيطرة قوى وأشخاص تسببت جميعا في الابتعاد عن مسار الثورة السورية..بل وضعتها في مهب الريح!

______________

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s