المنطقة العازلة  وتقاطع المصالح الدولية

        تشكل المنطقة العازلة في الشمال السوري، إحدى اهم نقاط الاختلافات بين القوى الاقليمية والدولية المنضوية في إطار التحالف الدولي لمحاربة الارهاب، الذي تتزعمه الولايات المتحدة، مطالبة عدداً من الأطراف بالمشاركة في عمليات التحالف، دون أن تكون شريكة في التخطيط الاستراتيجي، كما هو حال  تركيا على وجه التحديد. وهي الطرف الذي اقترح إقامة منطقة عازلة منذ الأشهر الأولى للانتفاضة السورية، ضد نظام الأسد، ولا تزال تطرح هذه الفكرة بصورة اكثر إلحاحاً.

المنطقة العازلة هي مساحة من أراضٍ محددة، تكون منزوعة السلاح، بين طرفين متنازعين، دولتين، أو مجموعتين بشريتين، داخل اقليم معين، تهدف لفصل الاشتباك المسلح، يمكن أن تكون منطقة حظر طيران، أو تجول. عادة  ما تهدف الى حماية المدنيين. يتم انشاؤها من قبل أطراف دولية ضامنة للأمن والسلم الدولي، وعبر قرار من مجلس الأمن يندرج تحت الفصل السابع.

في الحالة السورية، طالبت المعارضة، بالتفاهم مع تركيا، المجتمع الدولي بضرورة إنشاء منطقة عازلة بهدف تامين الحماية الدولية من العمليات العسكرية والقصف الجوي لنظام بشار الاسد . ولاحقاً عززت تركيا  مطلبها بإقامة منطقة عازلة، كشرط أساسي للإنضمام الى التحالف الدولي، بهدف الحد من  زحف المجموعات المقاتلة لتنظيم الدولة الاسلامية” داعش ” منذ شهرين،  نحو منطقة عين العرب / كوباني  المحاذية لحدودها مع سوريا، ومواجهة الأوضاع الإنسانية والأمنية المترتبة على ذلك، ومن أهمها وقف  تدفق المزيد من النازحين السوريين.

والواقع، امام تطور عمليات العسكرية لنظام الأسد، منذ أربعة سنوات حتى اليوم، تبدو الحاجة أكثر من ملّحة لإيقاف الضربات الجوية التي ينفذها ضد المدنيين في كافة المناطق السورية، دون استثناء، وفي مقدمها المناطق الغير خاضعة لسلطته في الشمال السوري، وريف حماه وحمص، وغوطتي دمشق، ودرعا. وتعتبر العمليات التي يشنها، جرائم حرب موصوفة، كونها تستهدف المدنيين، والتجمعات السكانية والتجارية، ما يعني انها عمليات إبادة جماعية ممنهجة ومدروسة، ومنظمة، بالنظر الى المواقع التي تستهدفها، من حيث الكثافة السكانية، و توزعها الجغرافي.

يقوم نظام الأسد بعمليات القاء البراميل المتفجرة، وقصف صاروخي عبر الطيران، ما يؤدي الى خسائر فادحة بشكل يومي، ينتج عنها عشرات الشهداء ومئات الجرحى والمشردين ” نازحين ولاجئين ” وتدمير عشرات البيوت والمرافق الحيوية المرتبطة بالبنية التحتية المخدمة للمجموعات السكانية.

كان لابد من البحث عن حلول لإيقاف القتل والتدمير اليومي، أما مسألتين، هما: استمرار جرائم النظام، وغياب رادع دولي. والذهاب الى المطالبة بمنطقة عازلة، هو اعتقاد بإمكانية كفّ الأسد عن مزيد من المجازر. هذه قناعة شرائح واسعة من السوريين، وهي الى جانب ذلك، الموقف الرسمي للمعارضة السورية. هدف الأطراف السورية هو وقف الموت، أما الأطراف الاخرى فثمة اهداف متعددة مضافة الى جانب مساندة السوريين. وعلى اية حال، لم يحظى امر انشاء منطقة عازلة بموافقة أميركية، وروسية على ذلك، باختلاف موقفهما من المنطقة العازلة تبعاً لأبعاد تتصل بالسياسة الدولية، وبالمصالح والصراعات القائمة ، من جهة. ولعلاقة كل منهما بنظام الأسد، من جهة اخرى.

تركيا تطالب بمنطقة عازلة، يعتقد أن تصل حدودها الى ثمانين كيلو متر في عمق الأراضي السورية، وبحدّ أدنى ثلاثين، على طول الحدود التركية السورية. هذا يعني أن تضم تقريباً كافة المناطق الغير خاضعة لسلطة النظام. بما فيها ثلاث محافظات هي حلب والرقة والحسكة، مع أجزاء واسعة من ريفي ادلب ودير الزور. سيكون ذلك مدخلاً لموافقة تركية لعملية  عسكرية برية تقوم بها في إطار التحالف الدولي.

ولكن، هل الصراع القائم حالياً بين تركيا وسوريا ؟ وهل يمكن جعلها منزوعة السلاح، بما فيها سلاح المعارضة؟ ام ان هناك أهدافا تتصل بالمسألة الكردية على سبيل المثال ؟

حتى اليوم تستبعد واشنطن النظر بالمطلب التركي، الذي تدعمه فرنسا منذ وقت مبكر، مع بداية العمليات العسكرية للنظام التي استهدفت المدنيين، والعسكريين المنشقين، في ريف ادلب من المناطق المحاذية لتركيا. تستند في ذلك الى فهم لطبيعة الدور الذي تريده لأنقرة، بأن يبقى  محدوداً  في المنطقة، وتابعاً لها، بما يحدّ من تطلعاتها كقوة اقتصادية واجتماعية اقليمية، تعتبر اليوم نموذجاً ناجحاً للإسلام السياسي في ادارة الدولة. مع توجس كبير من موقعها الاسلامي وعلاقتها بتنظيمات حركة الاخوان المسلمين في المنطقة. بالمقابل، تدرك واشنطن ان الموقف الروسي الحازم، سوف يمنع اتخاذ قرار دولي بموجب الفصل السابع، وفي شان كهذا ليست معنية، بتوسيع المواجهات مع موسكو، فثمة قضايا أكثر أهمية بالنسبة لها تتصل بالملف النووي الإيراني، والوضع في اوكرانيا.

الاستجابة الدولية تبدو ليست ممكنة حتى اليوم، لمثل هذه المطالب، والأولوية للبحث عن وسيلة جديدة لإطلاق عملية تفاوض جديدة في إطار  مبادئ جنيف1. وبالتالي  فإن ذلك يتعارض مع مبدأ الحوار الوطني والتفاوض، والتسوية السياسية التي تقربها المجموعة الدولية كحل للمعضلة السورية.

كما انه ليس من السهل على تركيا او أي طرف آخر، اقامة منطقة عازلة، لا يقبل السوريين أن تكون عملية شبه احتلالية، لا يعرف مداها الزمني والجغرافي، خاصة وان المعارضة السورية اليوم، تفقتقد لكل مقومات العمل السياسي، وغير قادرة ان تكون شريكاً حقيقياً وفعالاً في اتخاذ أية قرارات دولية تتصل بالوضع السوري. اقامة منطقة كهذه، يعني غياباً تاماً لقرار سوري مستقل لدى المعارضة، وظهور قوى جديدة، يتم التحضير لها منذ أشهر، لتكون في عداد القوى المعتدلة، ومن ثم الدخول في حالة جديدة من التعقيد على المستوى الأمني والعسكري في المنطقة، على الرغم من ظهور حديث يتصل بإمكانية انشاء مناطق معزولة في مناطق حوران والجولان أيضاً.

الحقيقة الأساسية ان السوريين بحاجة الى فرض منطقة حظر طيران، تمنع نظام الأسد من ارتكاب المجازر اليومية بحق المدنيين، ويمكن ان تعمل على منع الطيران من التحليق فوق المدن والبلدات الواقعة خارج سيطرة النظام من القاء البراميل المتفجرة، والقصف الجوي الذي تعاظمت وتيرته، بشكل كبير خلال الاسبوعين الماضيين، حيث نفذ النظام عشرات الهجمات جوية على الرقة  ودير الزور والحسكة وحلب  ودرعا وحماه وادلب، بصورة متواصلة ومنتظمة.

كما تؤمن منطقة حظر الطيران، الحدّ من عمليات النزوح المتواصلة الى دول الجوار بسبب القصف والدمار، وان تتحول الى مناطق آمنة للمدنيين، باشراف المعارضة السورية، التي يمكنها ذلك من تولي زمام المبادرة لادارة المناطق ” المحررة”، والانتقال الى الداخل، بما يمنحها أمرين أساسيين تفتقدهما هما بناء الثقة مع المواطنينن وإعادة ترتيب بيوتاتها الداخلية المتشرذمة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s