السوريون: عنوان للوجع

موتٌ محمولٌ في الهُدبِ ..والجفونُ اللهفى – على رِّقتها –

 تحتمل الهجيرَ المرّ في فصول السراة..

موتٌ يلفّ ساقاً على حرائق الروح،

والمدى الممتد حتى آخر سبيٍّ، رعشت جبال البلاد وسهولها لهول الخراب، ولهذا النزوح التاركِ خلفه نهر الألم، أو صورةَ فجيعَتَهُ  يحتضنها كطفلةٍ عصيّةٍ على بقاء حروفها معلّقةً في سبورة المدرسة.

لا أوراق هاهنا نُسَطّرُها

 فكتبت أصابعنا على الجدران، بغبار الطرقات  آهاتنا المطلوقة.. كسحابٍ حبيس،

أصابعنا التي كانت قبل القطع غضّة، فاحترقت،  كي يونع العشب بلا مطر. وامتدت الحقول فيّاضةً بأملٍ خطونا إليهِ فوق جمرِ عشقٍ لونته البلاد..

غير أننا وقعنا في الطريق، ولم ينقذ عثرتنا أحدٌ..لايدَ هنا في العتمةِ تمتدّ كي تبدد قهرنا ياقلبنا.. من حولنا.

لهفٌ يموضعُ لغتنا، ويربط سرّ إرباكتنا، نسيجُه حنينٌ دافقٌ، أقرب لنشيج المدن حين تفتقر درّابي لياليها..وتشتد فيها خطى الملفعين بالرماد الباهت، وبالأسود الذي يقْمِط في الضلوع حسرةً، لم تعد تعرف أي ضلعٍ يطلقُ دخاخين عثرتها في اكتواء الصوت الذي يغرق في البعيد.

 

لهفٌ يبعثر صمتاً لايليق بالموت الذي عانق بعض من كانوا هنا.. رحلوا بلا وجهةٍ .. أغوتهم الحوريات الجميلات المخادعات على درب علّيسة.. نحو برٍّ مرير، هناك في  لُججٍ من بحارِ الغياب.

 

ضاقت السبل، حين اتسعت الحلوق بلفظ عبارة تحسست الروح سباتها سنين طوال، لكن العيش ظل ممكناً رغم الإغلاق المديد المتعدد أشكال المنع فيه، والإطلاق المحدود كثقب إبرة، لاتسدّ رمق الحائرين عطاشاً لولادة حلم يسكن الجفون. آلة القتل أحكمت قبضتها على الريح والتراب..فلا ماء ولا خبز ولا كاس نبيذٍ يتفتق عن رشفته وردة في السماء البعيدة، أو رغيف خبز..

كان اللحن عابراً حين اخترقت شغافه..

تلك المارقاتُ أسرعَ من صوتٍ، أقـتـَلَ من قدَرٍ قذر..

فانسكبَ الدمُ على دندنةٍ، كانت تنتظر رغيف الخبز، وحبّة العنب..

أو حصة في المدرسة، تأخرت فيها المعلمة..ثم لم تاتِ

 

تكسّرت في البوح مرايا الخوف.

الأفقٍ مسكونٌ .. وكل ركنٍ حوى عاشقين ظللتهما هدبُ الطريق الوارفة،

 أزاحته القبعات المهووسة بالخراب،

 يفتنهم زخّ الرصاص، وتقضّ وثائرهم

 أغنيات مدائن الشام وبراري الفرات .. منكوبةً لم تحتمل مراكب الجراح..فأحرقتها.

 

 

لم يجد السوري أمامه سوى دروب الحصى، فتثاقلت خطاه فوق الجمر، ومضى في السديم، يعبرُ أجماتِ السرابْ، وكلما لفته غيمةُ أضاعَ بعضَ روحهِ..ودافتهُ الى دوحةٍ من أحلامٍ غيمةٍ اخرى، لايقين فيها.. لكنه يمضي إليها منشدهاً الى حبل خلاصٍ يَخَالُه غير ملتفٍّ حوله، أو أن صعوده، خلاصٌ من روحه التي أثقلتها الحياة.

كانت الحصى،

 سوى تلك اللامعة تحت صفحة الماء النقيّ العابر بتؤدةِ المعشوق،

 ينساب في كبرياءٍ جَهِدَ السوريّ لإبقائه في الضلوع،

 غير أن الريح الحيرى لم تترك له سوى بضع كلماتٍ خبأها في فمه، وحين أراد الكلام ..سقطت أسنانه!

 الأنهر المبثوثة مثل أوردة في جسد البلاد..

شابت حصاها الطلقات، وعكرت صفوها التنهدات الأخيرة

 لأجساد ارتمت في أحضانها مدمية مابين العاصي..والفرات.

يتنفس بعمق، هذا الليل الذي يشتد صلبه كي يطول،

 وفي الأعالي يلفظ  فمُ النهار فقاعات القلق،

 كي تسود مشهدأ عميماً، من ارتباك الخطى وتشابك  المعنى،

هنا تتعالى أصوات طقطقة التنهيد ..

مثل نشيجٍ صامتٍ في احتراق القلوب.

 شئ لايُفهم، غمغمةٌ مسموعةٌ بصفاء..لكنها مثل أفعى شبّت أمام الخارجين من كل البيوت الى حيث لايعلمون. لم تعد ثمة بيوت..ولا دروب. الأفعى تتلوى داخل الجمجمة..تذيب المخّ ولا يستطيع العقل أن يبني صورة لوقت سيأتي الآن..فتتلبد أحلام الوثبة على حجر العبور الأول فوق الجسر العتيق.

 

أي المعابر تراها بانتظاره.. أم أنها موصدةٌ، وليس ثمة سوى الريح، منقادة الى أقدارها الخطى..تترنمُ بخفوتٍ أليم نشيد الهلاك..كنتَ تستمعُ الى صداهِ في الطريق التي يعبرها بردى..

في الدفق لحنٌ لاسحر يماثل مساءً بارداً،

 يدفع لاقتطاف كرزٍ لاهبٍ في حمى الغرام، قبل أن يقتطف حرّاس التلال..

  نشوة الحرف في الأفق.

 

هسيس النار وفحيحها..كلحنٍ

 تتوالد في خضَمه حكاياتُ الأمهات اللواتي

 ضفرن شروداً طويلاً للمنهكين خلف الاسلاك الشائكة..

أو في الماء الذي غنت له القلوب، فصار قبراً جماعياً في خاصرتيه، كما الركام على مدّ الفجيعة، في الخراب الذي لوّن البلاد وأهلها المتيمون بزهر الصباحات.

 

لا أحد يبالي، والانتظار لم يعد له أي طعمٍ..فالموت الذي يلاحق سعينا إليه لن يتاخر..بعد أن صرت أيها السوري الجميل شريداً

غرباء في دفاتر المنافي، ولاشئ سوى البلاد تعرفهم،

 فأبقت حبل سرّتها..سرّاً في الضلوع حيثما كانت كأس الغياب عنيدة في الجفاف

 الذي طحن كل شئ..كل شئ.

ايها السوري تألق في الغيم..واسق البلاد

فالجوعى الى شامك غداً تسير مواكب الحجّ

امض سيداً في الريح

ولا تنتظر..

 

متواليةٌ من لحن بعيد،

 كأنه يقترب ليعين نبتةً جديدة في مكان ما:

تراب من الشمال، ولمسةٌ من الجنوب..ونايٌ من عمق صحراءَ،

 لم تزل تذكرنا همساً

 بكل من غاب..

أو حضر!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s