أورفــا ظـلّ فـراتــيّ

الحديث عن مدينة أورفة ، او عن تركيا بأكملها، لايستقيم دون أن أذكّر نفسي بأنني طوال عشر سنوات سبقت دخولي الى الأراضي التركية في صيف 2012 ، لم أستطع النوم ولو ليلة واحدة دون خوف. لكن أورفا منحتني تلك الليلة الأولى التي رقدتُ في بيوتاتها..نومةً هادئةً هانئة لأول مرة. لم استطع التعبير حتى الآن، عن مدى إحساسي بالأمان الذي عشته، دون أن تغصّ ضلوعي بأن بلداً هو وطني استلب مني،  ومن ملايين أمثالي، ذلك الحق الذي منحته لي بلدة صغيرة جميلة، ربطتنا بها علاقة روحية ثقافية، ناهيك عن أواصر القربى..وكانت تعتزم شق طريق وسط الرقة هدية منها، عربون تعاون وحسن جوار..منحتني أفقاً جديداً للحياة. فيما كان ذلك الطريق الذي يفضي الى فرع المخابرات العسكرية، لا يمنحنا سوى المذلة والرعب، وكان الخارج منه راجعاً الى حارته، بخطواتٍ رشيقةٍ، كالعائد الى الحياة. وشتّان بين من يمنحك الحياة ومن يسرقها منك.

مارس نظام الأسد الأب، ومن ثم صغيره القاتل، الذي تفوق عليه في إجرامه، أساليب أمنية ممنهجة في بث الرعب في كل مكان، مايجعل السوري، في قلقٍ و أرق، لا يستعذبُ لحظةً في حياته: البيت، والأسرة، في الشارع والعمل. الخوف أن يخرج من البيت ولا يعود إليه، أن ينام ويستيقظ على طَرَقات الباب في أحسن الأحوال، إن لم تداهمه عناصر المخابرات وتعتقله، تجرجره من سريره..أمام أهل بيته!

لم يترك القتلة للسوريين سوى الخروج من ارضهم وبيوتهم، يدرؤون الموت والخراب عن انفسهمن فجعل منهم شعباً تنثره رياح النزوح، حيثما فتحت لهم أبوابٌ ونوافذ..وأشرعوا أرواحهم للرحيل في جهات القهر.

من بين دول العالم المختلفة، تركيا هي الدولة الوحيدة، التي فتحت أبوابها على مصراعيها اما السوريين، وذللت كل العقبات التي تعترض، احتماء المدنيين بالجيران الأتراك. وعلى الملاحظات التي تشوب أي جهود، من هذا النوع، فإن وجود هذا العدد الكبير الذي قد يصل وفقاً لبعض الاحصائيات، الى مليوني سوري، يعكس طبيعة موقف النظام السياسي التركي، الداعم للثورة السورية. لستُ بصدد الحديث عن دور تركيا الإنساني، بقدر  ما تتوجب الإشارة إليه، وأن نشير لكل الإيجابيات التي اضحت عملاً تراكمياص لفائدة اللاجئين والمقيمين. وان نشير أيضاً الى السلبيات التي تتراجع أمام الخطوات التي تتخذها تركيا من حيث التعليم والصحة، وحرية الحركة بين طرفي الحدود، والتنقل والعمل داخل الدولة. وقد بذلت ولاتزال أنقرة جهوداً مهمة في توفير الأمان والحماية للسوريين.

العناية التركية وفتح البلاد امام السوريين، يتجاوز ماقدمته على الصعيدين المادي والمعنوي، مؤسسات المعارضة السورية، والحكومة المؤقتة، وحققت تمايزاً كبيراً عما تلقاه النازحون الى بلدان الجوار الأخرى: لبنان والاردن والعراق، إضافة الى مصر، وما آلت اليها اوضاعهم وطرق التعامل معهم في تلك البلدان.

عندما دخلت أورفا عابرا أقجاقلعة، في رحلة خلاص لم يكن لي منها بدٌّ، داهمتني ابتسامة الوجوه، ونظافة الأمكنة، والهدوء في ذروة الأوقات. أدهشتني الورود التي تعبر عن دواخل الناس..التي لازلتُ ممتناً بشكل شخصي فيها لأحبة وقفوا الى جانبي، ليس هنا مقام ذكرهم..لأنهم كانوا يرحبون بي..بالسوريين، في تركيا بما يجعل دمعتنا تتجمد في المحاجر. كنا ولازلنا نريد من اصدقائنا دعماً أكبر لقضية الحرية والكرامة، وان يكون السوري عزيزاً أينما قادته رياح الهموم و الآلام!

سانلي أورفا..هناك حيث الماء والظل الفراتي الوارف..شكراً لمقامك في قلوب السوريين، ياشقيقة البلاد التي تنتظرنا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s