الائتلاف الوطني وتحديات المرحلة المقبلة

كشفت الدورة الأخيرة لاجتماعات الهيئة العامة للائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية والمعارضة، إمكانية الخروج من عنق الزجاجة، على الرغم من حالة الإنقسامات الحادة التي نخرت جسد الائتلاف الوطني، المثقل بالمشكلات، الفاقد لقاعدته الشعبية، والمصداقية في العمل التي كانت مرجوّة منه. حيث تم انتخاب قيادة جديدة من شأنها تحقيق انطلاقة مهمة يستعيد فيها الائتلاف مكانته كممثل للمعارضة، ويلعب دوراً رئيساً في التحركات الجارية في سياق البحث عن حل سياسي، لما يحدث في سورية. غير ان التحديات  وصعبة قد تعصف بالائتلاف الى غير رجعة هذه المرة، إن لم تعمل مكوناته السياسية – مجتمعة – على تقديم مصلحة الثورة على أي إعتبار آخر.

الوضع الذي  وصلت اليه مؤسسات المعارضة كان  هو الدافع الرئيس، لجعل انعقاد الدورة الثامنة عشرة للائتلاف، انعطافة باتجاه تخفيف الاحتقان الذي يترافق مع كل دورة انتخابية لمكتب الرئاسة، حيث يلعب المال السياسي، وتزكية الدول الاقليمية لأشخاص معينين يدينون بالولاء لها، بشكل أو بآخر، دوراً كبيراً في تولي الرئاسة التي  تعاقب  عليها ثلاثة رؤساء هم معاذ الخطيب و أحمد الجربا وهادي البحرة، بدعم كل من قطر والسعودية وأخيراًتركيا.

وصول الدكتور خالد خوجة الى رئاسة الإئتلاف بعد انسحابه المرة الماضية من انتخابات موقع الأمين العام فتح الطريق أمامه  برعاية تركية، نحو” قيادة المعارضة والثورة السورية” كما قال خوجة في مؤتمره الصحفي، ولهذا دلالة هامة، تتصل برؤيته لإحياء الائتلاف  من  مواته، والثورة السورية من مخالب الخنّاق.

المسألة الأكثر أهمية تكمن في أن حركة الأخوان المسلمين، التي تعتبر أكثر قوى المعارضة تنظيماً وأشدها تأثيراً في مؤسسات المعارضة السورية، والأكثر تموّلاً، كانت طرفاً رئيساً شريكاً في تعيين قادة المجلس الوطني والائتلاف، صانعة للقرار بشكل غير  مباشر عبر واجهات تنفذ سياساتها، اختارت اليوم، أن تدفع بمرشحها الى الواجهة، بعد أن استعادت تدريجياً قدرتها  ومواقعها التي اضطرت للتخلي عنها، أمام موجة الانتقاد الحادة لأساليب سيطرتها على المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف الذي عمدت القوى الاقليمية لابتكار التوسعة بما يحقق إشراك أوسع للقوى السورية، وإضعاف لدور الاخوان ومكانتهم. وقد راهنت حركة الاخوان على انقسامات تيارات اليسار والديمقراطية، واطبقت على الهيئة السياسية والحكومة المؤقتة، وأخيراً صعّدت مرشحها الدكتور خالد خوجة رئيساً للائتلاف.. وبذلك أضحت الحركة قابضة على المفاصل الرئيسة لمؤسسات المعارضة السورية. وسوف ينعكس ذلك بصورة مباشرة على أداء الائتلاف خاصة في الملفات المتصلة بالتحالف الدولي و دعوات موسكو والقاهرة .

ما لاشك في أن خوجة يمتلك خبرة واسعة في التنظيم والادارة الى جانب اشتغاله السياسي، ما يساعد على العمل في حقول ألغام زرعتها كل الأطراف السورية، والاقليمية والدولية كلاً على حدة، في دروب الآخرين، وأشدّها تعقيداً تلك التي انساقت وراء تعميق خلافات مكونات الائتلاف والقوى المسلحة على الأرض، بدلاً أن تدعم الحوار وتدفع بالعمل المشترك فيما بينها.

يُنظر الى خالد خوجة، بأنه واحد من صانعي السياسة التركية حيال الوضع في سوريا، وعلاقته المميزة مع حزب العدالة والتنمية، وقربه من فريق رجب طيب اردوغان، ليس فقط من حيث كونه ممثلاً للائتلاف في تركيا، ولكنه ايضاً بوصفه مواطناً تركياً، ومن الطبيعي أن يحظى بدعم الدولة المضيفة ، كما أنه منتم لحركة الاخوان المسلمين، ويعمل بهدوء  وصمت، ولم يعرف عنه الانخراط في خلافات مباشرة داخل الائتلاف  والمجلس الوطني، محافظاً على صورته وحركته كشخصية وطنية مستقلة، على خلاف كثيرين ممن انضموا للإئتلاف كشخصيات وطنية، مالبث ان خلعوا أقنعتهم في المعارك العديدة التي خاضتها مكونات الائتلاف ضد بعضها البعض.

التوافق عبر التصويت على خوجة سيفتح الطريق – وإن كان شكلياً – لمناقشة ايجابية حول المسائل الأهم كالحوار الوطني، والتسوية السياسية. يضاف الى ذلك ان تعديل مدة الرئاسة سوف يمنح خوجة فرصة مريحة للعمل على إعادة بناء الائتلاف، التي تستوجب انجاز تسويات المصالحة – اذا جاز التعبير- بين اعضاء الائتلاف وتكتلاته. وهي المهمة العاجلة اليوم، التي يتوجب مواصلة العمل فيها على قاعدة إصلاح المنظومة السياسية والقانونية والإدارية، بما يدعم تقوية عمل الائتلاف  ومؤسساته ويمكنّها من القيام بواجباتها على الوجه الأكمل. لكن وقتاً طويلاً وإشكاليات كثيرة ستمر بها عملية الانتقال تلك، ولن تكون بمنأى عن تداول الامتيازات والتراضي..الانتهازية التي طبعت المرحلة الماضية. وهذا هو التحدي الأول الذي يجب ان تواجهه قيادة خوجة.

وفي الواقع، ثمة مسؤوليات اخرى وضعها خالد خوجة في سلم الأولويات هي إعادة الاعتبار للائتلاف على الصعيد الوطني – الثوري، و جعل زمام المبادرة بيد الائتلاف الوطني، وهاتين عقبتين  وتحديين كبيرين جداً. فما وصل إليه الائتلاف في عيون الثورة السورية، بعد عامين من التناحر والفشل  والفساد والفوضى، لايُمَكّن خوجة وفريقه من استعادة ثقة الجمهور دون طيّ هذه الملفات عبر المعالجة الجادة لانعكاساتها وتأثيراتها. وفيما يتصل  بزمام المبادرة فإن القرار الوطني لم يعد سورياً منذ سنوات، وقد تمادت مؤسسات المعارضة في ولاءاتها للقوى الداعمة الى درجة أضرت بالعمل الوطني، ولم يعد ثمة قرار أو سياسات نابعة من مصلحة الثورة السورية، وهاتان المسألتان في الواقع أدت كل منهما الى تراجع مكانة الثورة وحراكها، وتراجع المساندة الدولية لها.

ان ” قصور” الدول الداعمة للثورة، ناجم عن عاملين رئيسين أولاهما  يتعلق بمصداقية مواقفها من الثورة السورية، ومن نظام الأسد ومصالحها مع القوى الداعمة له. أما العامل الثاني فإنه يتصل بقصور الائتلاف الوطني عن أداء مهامه، بل عجزه عن حشد الدعم الحقيقي للثورة في المجتمع الدولي. ودون أن تكون قضايا السوريين انشغاله الحقيقي،  وتمتين صلاته بالداخل، لن يثق به أحد، ومن دون مشاركة واسعة وفعّالة لجميع القوى، لن يحقق أية انطلاقة جديدة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s