حُـمــّى الـتـفـاوض وعـقـيـدة الـقـتـل

تشهد الحالة السورية حراكاً محموماً بين أطراف المعارضة، على محوري موسكو والقاهرة، منذ الزيارة التي قام بها بوغدانوف الى المنطقة، تقاطعاً مع تسويق خطة دي ميستورا لتجميد القتال في حلب. يترافق ذلك مع حوارات داخلية تكاد تصل الى ذروتها، بين مجموعات وتيارات الحراك السياسي وتنظيماته، يشير الى إمكانية بللورة افكار مشتركة، حول مختلف المسائل، وبصورة خاصة الخلافية منها، بشان الثورة السورية، والتفاوض مع النظام السوري، وقد بدأت تتسرب بعضاً من مشاريع التوافق، الى الإعلام، مايدعم القول أن الجميع – بدرجة ما – سيذهبون الى موسكو، مثنى وفرادى، اليوم أو غداً.

تشير المشاورات الجارية اليوم الى مسألتين هما، مبلغ القلق الذي تعيشه المعارضة السورية، نتيجة للعطالة التي وصلت اليها جميع الأطراف، وكذلك انسداد الأفق فيما يتصل بالحالة السورية، في ضوء التطورات الدولية و الإقليمية التي جعلت من الأزمة السورية، في دائرة الأوراق الضاغطة في تسويات المصالح. يضاف الى ذلك سبباً رئيساً يتمحور حول فاعلية ومكانة الأطراف الداعمة للنظام، إثر الانهيار الحاد في أسواق النفط، وبالتالي الوصول الى عتبة ازمة اقتصادية لدى روسيا الإتحادية بشكل خاص. يمكن النظر الى ما يجري على انه حراك من اجل الحوار الداخلي، وهو أمر لطالما أجهضته عوامل ذاتية وخارجية، فظلت المعارضة السورية تفتقده، وتسعى إليه، لكن الخلافات المتصلة برؤية كل طرف الى المسار الثوري، كانت تحيل الى عدم اتفاق  مبيت فيما بينها. لا تشكل قضية تفهم الآخر والاعتراف به إشكاليته الأساسية، ولكن جميع الأطراف تنطلق من مبادئ مسبقة لنتائج الحوار التي  تريد الوصول اليها، دون الذهاب الى منتصف الطريق، والاجتماع على المشترك فيما بينها. ظل النظام السوري، طوال السنوات الأربع، رافضاً لمبدأ الحوار  مع المعارضة المسماة خارجية، فيما يشدد على الحوار  مع معارضة الداخل, ونجح النظام في بناء جدار بينهما، ما كان ليستطيع ذلك لولا قابلية الإقصاء التي تمتعت بها اطراف المعارضة جميعها، وسعيها لتصدر المشهد الثوري على حساب النهوض بالانتفاضة الشعبية وتصويب  مساراتها باتجاه الأهداف الأساسية، المتمثلة بإسقاط الديكتاتورية في سورية. وقد لعبت القوى الاقليمية والدولية دوراً فعالاً في تكريس الانقسامات داخل المعارضة التي انساقت وراء املاءات الخارج في شأن العلاقة بين تياراتها الأساسية. وتمكنت مؤخراً روسيا من الدخول على خط المعارضة، سعياً وراء تنظيم خلخلة الإئتلاف الوطني، الذي  مني بفشل جديد لإعادة توحيد صفوفه في اجتماعات دورته الأخيرة. وتعمل موسكو مع حلفائها في دمشق، وصمت اوروبي ومراقبة اميركية على إذابة الجليد بين أهم مكونين في المعارضة هما الائتلاف وهيئة التنسيق، لاستيعابهما وإعادة انتاج رؤية مشتركة بينهما، بشأن إطلاق عملية تفاوضية جديدة يقبل النظام التعاطي معها، وتأخذ فيها هيئة التنسيق والمستقلون داخل الإئتلاف، دوراً محورياً في ذلك، مستفيدين في ذلك من الضعف والهشاشة، وافتقاد الشخصيات القيادية الموثوق بها داخل قوى المعارضة، وتراجع الدعم السياسي والمالي والعسكري لها في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ جداً. نقطة الخلاف، تكمن في النظرة الى دور ومصير الأسد. ففي الوقت الذي تتفق فيه جميع الأطراف على مرجعية جنيف 1 لأي تفاوض او تسوية، فإن تفسير بنوده لا تزال عرضة لأهواء التيارات والقوى في المعارضة تحديداً. حيث يقترب  فهم تيار بناء الدولة وهيئة التنسيق  وجبهة التغيير مع تفسير النظام: الأسد خط أحمر. فيما تشدد قوى الائتلاف على رحيل النظام بكل رموزه وفي المقدمة بشار الأسد، شرطاً للإنخراط في أية تسوية، وهو موقف المجموعات المسلحة، والقوى العاملة على الأرض في الداخل السوري. والواقع ان مواقف القوى الإقليمية والدولية، توضح بجلاء لا لبس فيه اليوم، أنها ميّالة لأعادة تأهيل النظام، في ظل انخراط المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب، الذي جعلت منه أولوية، على إسقاط الأسد الذي لم يكن – في الحقيقة – سوى في أجندة وذهن جزء من المعارضة السورية. رؤية المجتمع الدولي تتوافق مع الرؤية الروسية- الإيرانية، وبالطبع نظام الأسد، وقد أشير الى ذلك في قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مواقف الدول المعلنة في افتتاح جنيف 2، وقبل ذلك جهود المبعوثين الأممين، وهي تقوم على ثلاثة بنود أساسية، ليس فيها إزاحة لأي طرف على الإطلاق، وهي:

  • حوار وطني بمشاركة جميع الأطراف دون استثناء
  • تشكيل حكومة انتقالية أو حكومة وطنية،
  • اجراء تعديلات دستورية وانتخابات تشريعية تفضي الى دولة جديدة.

بموجب ما يتم تداوله اليوم من تفاهمات في صفوف المعارضة  سواء بين المؤسسات: الائتلاف وهيئة التنسيق، أو بين المكونات: اتحاد الديمقراطيين وهيئة التنسيق وغيرها من حوارات سوف تكلل لاحقاً بلقاء القاهرة التشاوري، الذي من شأنه أن يضع النقاط على الحروف، خاصة بعد بروز تطورين لافتين هما ذهاب هيئة التنسيق الى فكرة حكومة تقودها المعارضة بصلاحيات كاملة، مع بقاء الأسد لفترة انتقالية بدون صلاحيات. والثاني هو إقرار الإئتلاف الوطني بضرورة التفاوض مع النظام، وصولاً الى وقف المجازر والانخراط في التسوية السياسية برعاية دولية، بموفقة ضمنية على ابقاء الأسد في الفترة الانتقالية. ما يجري اليوم بين أطراف المعارضة، هو حوار من أجل الخروج من عنق الزجاجة لكن محور الأسد – موسكو- ايران، يعمل بجدية على احتواء المعارضة ، وأن يسوقها بفعل معطيات الواقع وتجذير تفسخها، الى التفاوض،على الرغم من هشاشة النظام التامة. لكن ذلك مرهون بما ستتمخض عنه مناقشات الهيئتين السياسية والعامة للائتلاف، التي لا تقبل أي مبادرة لا تنص صراحة على رحيل نظام الأسد وتفكيك أجهزته الأمنية، وهو نفس الموقف الذي ستواجهه أي مبادرة، من القوى المسلحة في الداخل، خاصة في غياب مظلة حقيقية مرجعية تلتزم بها قوى المعارضة، التي تفتقد قرارها الوطني، شأنها في ذلك النظام الذي يواصل القتل، وهو منقادٌ بكليته لموسكو وطهران.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s