خطة دي ميستورا: آفاق وتحديات

تبدو خطة المبعوث الأممي دي ميستورا، وكأنها بصدد ملائمة الظروف الزمانية والمكانية، لإنضاج حل سياسي في سورية، على نار هادئة. وعلى الرغم من كل الجهود السابقة، فإنه ليس ممكناً حتى اليوم، الوصول الى بداية طريق حقيقية، تدفع اطراف الصراع الى الدخول في مفاوضات جدية، من اجل التوصل الى تسوية سياسية، يرى المجتمع الدولي انها الطريق الوحيد، لإنهاء الوضع القائم، لكنه لايبذل جهوداً حقيقية من أجل ذلك.

على الرغم مما يتم الحديث عنه، ومنها تصريحات دي مستورا نفسه، فإن الغموض لا يزال يكتنف خطة التجميد المقترحة، لا وضوح في ذلك، ومن هنا مشروعية الشكوك التي تطبع مواقف أطراف سياسية وعسكرية في المعارضة السورية، التي رأت في طريقة الطرح، وموافقة النظام التي سبقت المشاورات، مؤشراً لأمور قد لا يحمد عقباها، لناحية استفادة النظام – كعادته – من هذه المبادرة، إن صحّ التعبير.

لا شك ثمة أهمية كبيرة، وحاجة ضرورية لوقف الأعمال القتالية في كافة المناطق السورية، وبخاصة مناطق التماس المباشر، وفي مقدمة ذلك إيقاف الأعمال العسكرية التي يقوم بها النظام عبر سلاح الجو والقوى الجوية، المتمثلة بالبراميل المتفجرة والقصف الصاروخي، الذي يشكل عمليات إجرامية متواصلة بشكل يومي، مستهدفة التجمعات السكنية.  وهذا “الوقف” يؤمن بدرجة أساسية حماية المدنيين، وتامين فرص ملائمة لتوفير الاحتياجات الإنسانية العاجلة من غذاء ودواء، ولم شمل العائلات التي شرد أبناؤها، وكذلك توقف حالات التهجير القسري الناجمة عن الضربات المنظمة، والتي يذهب ضحيتها المئات يومياً.

كما يمكن لأي اتفاق مماثل، توفير مناخ لازم لإعادة الخدمات الضرورية، كالماء والكهرباء، وهذا جانب حيوي في الحقيقة، وهناك قدرات محلية يمكن أن تنجز ذلك في حال توفر دعم مباشر، من القوى المعنية بتخفيف المعاناة الإنسانية المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات متواصلة، في معظم المناطق السورية، ومنها حلب، موضوع خطة دي ميستورا.

لا يمتلك الشارع السوري، بما فيها مؤسسات المعارضة، أية معلومات جوهرية، عما يتحرك بشأنه المبعوث الأممي. ولكن دي مستورا الذي كان يتحدث عن مناقشات لفهم وجهات النظر، مع الأطراف السورية، عرض مشروعاً يبدو أنه تصوراً متكاملاً، أمام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي خلال الأيام الثلاث الأخيرة. وتشتمل الخطة على ثلاثة بنود أساسية هي: تجميد العمليات العسكرية، وادخال مواد للإغاثة الإنسانية، وفرض آليات إلزام الأطراف بالاتفاق. وفي الواقع، ثمة سؤال يطرح هنا: لماذا لم يضع دي مستورا بنود خطته كاملة امام المعارضة السورية، وهو بصدد التوجه الى مجلس الأمن، بما يعني العمل بعيداً عن مشاركتها الأساسية في صياغة أي اتفاق، في الوقت الذي يتم فيه التشاور مع نظام دمشق على كافة الخطط والبرامج. ولنلاحظ ان المبعوث الأممي، لا يجتمع مع المعارضة كفريق واحد، في جزء منه تتحمل المعارضة وزراً في ذلك. فالذهاب بهذه الصورة الى مجلس الأمن، يعني فرض إجراءات قد تكون فصائل المعارضة المسلحة، هي المستهدف فيما بعد بعمليات “معاقبة” حال عدم الالتزام بها.المطلوب إذن توضيح بنود خطة دي ميستورا، وأهدافها وآلياتها، وان يتم مناقشتها بشكل دقيق وشامل، بما يقود الى إمكانية تطبيقها.

مايؤخذ على دي ميستورا ان خطته تلك، كما أوضحت تصريحاته، لا تشتمل على خطة للتسوية، ورفض ربطها بتطبيق مبادئ جنيف 1 . هذا مثار للقلق أيضاً، يُفهم منه العمل على إنجاز هدنات محلية، في المدن والبلدات، على غرار ماتم في ريف دمشق وحمص. بمشاركة أطراف دولية و مؤسسات غير منظورة، كما حدث في هدنة حمص، التي سرعان ما استغلها النظام وأحكم سيطرته على كافة الأحياء موضوع الهدنة، واستولى على ممتلكات الناس، دون أن يردع مؤيديه من ارتكاب تجاوزات ومخالفات جوهرية لاتفاق الهدنة.

خطة تجميد القتال في حلب، يجب أن تستند الى جهود معلنة ترتبط بالتسوية السياسية التي تقوم على جنيف 1، بمعنى أن ما يتم الاتفاق عليه، لن يكون محدوداً ومحلياً ومعزولاً عن المناطق الأخرى، وإذا كانت الخطة معنية بمنطقة حلب، فإنه يتوجب أن تكون حلقة أساسية وأولى لتوسيعها باتجاه إيقاف دائم لإطلاق النار، وخاصة من قبل النظام، وأن ترتبط بوقف العمليات والتحليق الجوي لطيران الأسد، ومنع الأطراف  من إعادة تنظيم صفوفها او إدخال قوات ومعدات جديدة، أو استبدالها. المعني بذلك تحديداً نظام الأسد، بما يمتلكه من قدرات وأصدقاء شركاء له، في الوقت الذي تكاد لا تمتك فيه قوات المعارضة شيئاً يذكر في مواجهة النظام، الذي يحاصر حلب من ثلاث جهات، واي هدنة في الحقيقة ستمكنه من التقاط أنفاسه، والتمدد لقضم باقي المناطق، وإطباق الحصار على المدينة، كما فعل في كافة مناطق الهدنة الأخرى.

لن يقبل النظام بوجود قوات فصل، من منطلق تحجيم نواياه وخططه. ولكن ذلك بالمقابل، يعني إيجاد منطقة عازلة بين الطرفين، من شأنها خلق واقع تقسيمي لمدينة حلب، والحل لايكمن بذلك، وإنما بسحب كافة القوى المقاتلة خارج حدود المدينة تماماً، وأن يُلزم النظام أولاً على تنفيذ خطة انسحاب شاملة، ولا يمكن دون ذلك من بناء الثقة.

 الاحداث الأخيرة في وادي الضيف تجعل موقف النظام أكثر حرجاً، وأكثر سعياً لتجميد القتال في حلب، مع العمل على إعادة تجميع قواه، خاصة وان تحالف كتائب الجيش الحر مع جبهة النصرة قد يتوسع ليشمل مناطق ريف حلب، ما يزيد في مخاوف النظام من مصير مماثل وقريب جدا. على الرغم من مخاطر الانقلاب المحتمل لجبهة النصرة على حلفائها، المتوقع جداً قريباً وبكل الأحوال.

التعويل على قرار من مجلس الأمن، لن يكون سهلاً على الإطلاق، وعلى الرغم من تقدم موسكو و إيران بمبادرات للتسوية السياسية، فإن الفيتو الروسي سيكون حاضراً ما لم تتضمن خطة دي ميستورا بنوداً تعزز موقف نظام الأسد. بالمقابل، أي هدنة – على حاجة السوريين الماسّة إليها –إن لم تكن ضمن إطار تسوية شاملة، وبضمانات دولية حقيقية، لن يكتب لها النجاح.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s